للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومنهم ابنه زنباع بن سلامة، وكان وزير لعبد الملك بن مروان، وكان له دار ضيافة لا يكاد يفارقها في وقت من الأوقات، وكان عمران بن حطان أسيراً عند عبد الملك بن مروان وأهدر دمه، وطلبه الحجاج أشد الطلب حتى خرج عن العراق، وجعل ينتقل في قبائل العرب، إذا عرف زال إلى قبيلة غيرها، وكان إذا نزل في حي انتسب اليهم منهم، وكان سبب طلب الحجاج له انه لما دخلت غزالة الحرورية الكوفة، وتحصن الحجاج منها، وأغلق عليه باب قصره؛ كتب اليه عمران بن حطان بهذه الأبيات:

ذعرت غزالة قتله بفوارس ... تركت مناظرة كأمس الدائر

هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... أم كان قلبك في جناحي طائر

أسد علي وفي الحروب نعامة ... ربداء تفزع من صفير الصافر

فطلبه الحجاج بعد ذلك، فهرب منه، فكتب الحجاج فيه إلى عماله وأطرافه بحليته وكتب إلى عبد الملك بن مروان فيه فاعجزه، وضاقت عليه العراق، فخرج إلى الشام. وجعل ينتقل مرة في غسان، ومرة في لخم، واخرى في حذام، وآخر في عاقف، واخرى في خزاعة، ومرة في مراد، وفيها يقول عمران بن حطان:

فإني في بني كعب بن عمرو ... وفي عك وعامر عوتبان

وأرباب القبائل من حذام ... ومن لخم وحي بن العدان

كذلك ان أصلي من سواهم ... وما كانت بلادهم مغاني

وأنزل عندهم واحيل اسمي ... فلانا مرة وابا فلاني

فلم يزل هاربا حتى اتى دمشق، فنزل على روح بن زنباع، ودخل في ضيافته، وكان روح يقري الأضياف، ويكرمهم، ومجالساً لعبد الملك بن مروان، اثيرا عنده، ذا فهم وشعر وفقه، قال: فسأل روح بن زنباع عمران عن اسمه ونسبه فقال: من الأزد أزد شنوة، فأحسن نزله وأكرمه.

وكان روح إذا انصرف عن عبد الملك بن مروان، وخلا في داره أذن لعمران فجلس معه مسامراً له، وكان روح لا يسمع شعرا نادرا، ولا حديثا غريبا من عبد الملك فيسأل عنه عمران، الا عرفه، وربما زاد فيه، فيزداد عمران عنده محبة، ولديه جلالة، فحدث بذلك عبد الملك، فقال له: إن لي جارا من الأزد ما سمع من أمير المؤمنين خبرا ولا شعرا الا عرفه، وربما زاد فيه. فقال له عبد الملك: خبرني ببعض اخباره، فخبره وانشده بعض ما سمع من عمران. فقال له عبد الملك: اللغة عدنانية، وإني لأحسبه عمران ابن حطان. فسكت روح، وجعل عبد الملك ينشد هذه الأبيات، من قول عمران بن حطان:

يا ضربة من تقي ما أراد بها ... الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحسبه ... اوفى البرية عند الله ميزانا

أكرم بقوم بطون الطير قبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغيا وطغيانا

ثم قال عبد الملك: من تعلم قائل هذا الشعر؟ فقال لا وانصرف روح إلى ضيافته فحدثهم بذلك، وسأل عمران بن حطان عنه، أتدري من قائل هذه الأبيات؟ فقال: نعم يقولها عمران بن حطان، يمدح عبد الرحمن بن ملجم، قاتل علي بن أبي طالب. وانشده هذه القصيدة.

فقال له: من أين أصبت هذا يا خلف؟ فقال: من ضيفي الأزدي، الذي أخبرتك به، لم أر مثله قط. قال عبد الملك: صفه لي، فوصفه له. فقال عبد الملك: على كتاب الحجاج، فجيء به اليه، فنظر فيه، فقال: عمران بن حطان ورب الكعبة. انطلق فاتني به فهو آمن، واعلمه أني امرتك ان تأتيني به. فقال: افعل. قال: فانصرف روح إلى ضيافته من السمر فدعا بالطاقة، وأقبل عمران. فقال: إني حدثت أمير المؤمنين عنك. فقال ائتني به فقال له عمران: قد كنت احب ذلك، وأردت أسألك فاستحيت منك، فامض في أثرك.

فخرج روح إلى عبد الملك، فاخبره بذلك، فقال له عبد الملك: أما انك سترجع إلى منزله، فلا تراه، ولا أراه الا قد ذهب. فانصرف روح إلى منزله فالفى عمران قد ذهب، واذا رقعة في كوة عند البيت مكتوب فيها هذه الأبيات:

يقول لي حي مثوى قد نزلت به ... قد ظن ظنك من لخم وغسان

حتى رحلت وفارقت منزله ... من بعد ما قيل عمران بن حطان

قد كنت ضيفك حولا ما يروعني ... فيه روايع من أنس ولا جان

حتى أردت العظمى فاوحشني ما ... يوحش الناس من خوف ابن مروان

<<  <   >  >>