للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومن المعلوم أن الأمر الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم هو أمر لأمته.

وحتى يكون التحمل أمرًا مسلمًا به وسهلا عرف الله المؤمنين بأنه يدافع عنهم فقال: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} ١.

ويجب أن يكون واضحًا أن سلبية هذه المرحلة كانت في ترك المقاتلة، وتحمل الأذى منعًا لضرر أعلى، وما عدا ذلك فالإيجابية ثابتة موجودة، والجهاد بالكلمة تشريع مقرر، يقول الله تعالى في سورة الفرقان: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} ٢ وسورة الفرقان سورة مكية، وفي هذه الآية أمر بعدم طاعة الكفار وهم يعارضون القرآن الكريم، وفيها كذلك الجهاد بآيات القرآن لأن الضمير في "به" يعود عليه.

فهذه آية مكية أمر الله فيها بالجهاد، ولذلك استمرت الدعوة في كافة صورها، ففي مجال إبلاغ الدعوة وتبيينها وشرح أهدافها لم يحدث أبدًا توقف، وفي مقابلة شبه القوم كانت الحجج المقنعة والمواجهة الفكرية، وأمام اتهامات المعاندين للرسول صلى الله عليه وسلم وتشككهم في الوحي كان التصدي بالرد والحوار وإثبات ضلال المعاندين، وخطأهم، وكان الوحي خير نصير في المواجهة.

ويجب أن يتضح كذلك أن هذه السلبية في المقاتلة لم تكن مبدأ، وإنما كانت ضرورة عاشها المسلمون، وعليهم أن يتذكروا حقوقهم خلالها، ويترقبوا لأنفسهم وينتظروا الوقت الذي يتمكنون فيه من استرجاعها، عساهم يأخذون حقهم الذي سوف ينتصر حتمًا.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في خلال هذه المرحلة يشير لأصحابه إلى الفرح، والمخرج حيث قال للمسلمين قبل الهجرة إلى الحبشة: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه" ٣.


١ سورة الحج: ٣٨.
٢ سورة الفرقان: ٥٢.
٣ سيرة النبي ج١ ص٣٢٣.

<<  <   >  >>