للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تاسعًا: أهم ما في الحديبية من حكم

كانت الحديبية مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له، ومفتاحًا، ومؤذنًا بين يديه، وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا، أن يوطئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها، وتدل عليها.

وكانت هذه الهدنة من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان متخفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحًا مبينًا.

وحقيقة الأمر أن الصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مستحيلا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًا وفتحًا ونصرًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورءوسهم، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ١.

وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببًا ما مثله سبب

فكان صلى الله عليه وسلم يرى تلك الشروط عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلوا من حيث طلبوا العز وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعز رسول الله صلى الله عليه وسلم وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله، واحتملوا الضيم له وفيه، فدار الدوار، وانعكس الأمر، وانقلب العز بالباطل ذلا بحق، وانقلبت الكسرة لله عزًا بالله، وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده، ونصرة


١ سورة البقرة: ٢١٦.

<<  <   >  >>