للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

رأيناه بعد الفتح حينما استغلت خزاعة قربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت رجلا من هذيل لثأر بينهم في الجاهلية فقال صلى الله عليه وسلم وهو في حالة من الغضب الشديد لهذا الفعل: "وإن أعتى الناس على الله عز وجل ثلاثة: رجل قتل في مكة، ورجل قتل غير قاتله، ورجل طالب بثأر في الجاهلية، وإني والله لأدي هذا الرجل الذي قتلتم". فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيناه في حجة الوداع وهو صلى الله عليه وسلم يضع تحت قدمه كل عصبيات الجاهلية وأولها عصبية بني هاشم.

ونرى العدل في إقامة شرع الله على القريب والبعيد على حد سواء، فقد سرقت امرأة من بني مخزوم وتحركت قريش لستر هذه المرأة ومنع إقامة الحد عليها مخافة العار فكلموا أسامة بن زيد بن حارثة لمكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب صلى الله عليه وسلم وقال لأسامة: "أتشفع في حد من حدود الله". ثم قام وخطب فقال: "أيها الناس إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

وبما أن العدل من مبادئ الإسلام العظمى ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول العاملين بها، كان الله تعالى يصوبه إذا أخطأ في حكم أخذ فيه بظاهر دعوة الناس، ونضرب مثلا على هذا وهو تبرئة اليهودي الذي اتهم بالسرقة بدون وجه حق, وبما أن رسول الله لا يعلم الغيب فقد وافق المدعين على قولهم، فأنزل الله من عنده التقويم والحكم العدل فقال سبحانه وتعالى يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} ١.


١ سورة النساء: ١٠٥-١٠٧.

<<  <   >  >>