للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الرابع: الآثار الثقافية والفكرية:]

حقَّق الاستشراق نجاحاً كبيراً في التأثير في الحياة الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي، فبعد أن كان القرآن الكريم والسنَّة المطهرة وتراث علماء الأمة الذين فهموا هذين المصدرين فهماً جيداً، وعاش المسلمون على هدي من هذه المصادر في جميع مجالات الحياة، أصبحت المصادر الغربية تدخل في التكوين الفكري والثقافي لهذه الأمة، سواء أكان في نظرتها لكتاب ربها سبحانه وتعالى، ولسنة نبيها، أو للفقه أو للعلوم الشرعية الأخرى، أو في منهجية فهم هذه المصادر ومنهجية التعامل معها، كما أثَّر الفكر الغربي في المجالات الفكرية الأخرى، كالتاريخ أو علم الاجتماع أو علم النفس أو علم الإنسان أو غيره من العلوم.

وقد استطاع الاستشراق تحقيق هذا النجاح بما توفَّر له من السيطرة على منابر الرأي في العالم الإسلامي، فقد أنشأ الغرب العديد من المدارس، كما أن العديد من أبناء الأمة الإسلامية تلقوا تعليمهم على أيدي المستشرقين في الجامعات الغربية (الأوروبية والأمريكية). ولمَّا كانت بعض البلاد العربية والإسلامية خاضعة للاحتلال الأجنبي فقد مُكِّن لهؤلاء الذين تعلَّموا في مدارسه. فما زالت الصلة قوية فيما بين الطلبة الذين تخرَّجوا في كلية فيكتوريا بعد أن تسلَّم كثير منهم مناصب حساسة في بلادهم. ومن المنابر التي استطاع الغرب أن ينشر من خلالها الثقافة والفكر الغربيين وسائل الإعلام المختلفة، من صحافة وإذاعة وتلفاز ونشر بأشكاله المتعددة. فقد أنشئت الصحف والمجلات التي تولَّى رئاسة تحريرها أو عملية الكتابة فيها كثير من الذين تشبَّعوا بالثقافة الغربية. وقد بذلوا جهوداً كبيرة؛ للرفع من شأن تلاميذهم، فهذا يطلق عليه (عميد الأدب العربي)، وآخر يطلق عليه (أستاذ الجيل) وثالث يطلق عليه (الزعيم الوطني) (١)، ........ كما أنشؤوا المسارح والسينما، وأدخلوا إلى حياة الشعوب العربية الإسلامية فنون اللهو غير المباح من مراقص وغناء وغير ذلك.

وكان للاستشراق دوره في مجال الأدب شعراً ونثراً وقصة. فقد استغلت هذه الوسائل في نشر الفكر الغربي العلماني، وبخاصة عن طريق ما سمِّي بـ (الحداثة) التي تدعو إلى تحطيم السائد والموروث، وتفجير اللغة، وتجاوز المقدس، ونقد النصوص المقدسة. وقد استولى هؤلاء على العديد من المنابر العامة، ولم يُتيحوا لأحد سواهم أن يقدِّم وجهة نظر تخالفهم، وإلَّا نعتوه بالتخلف والرجعية والتقليدية وغير ذلك من النعوت الجاهزة. وقد انتشرت في البلاد العربية الإسلامية المذاهب الفكرية الغربية في جميع مجالات الحياة: في السياسة والاقتصاد، وفي الأدب وفي الاجتماع. ففي السياسة ظهر من ينادي بالديموقراطية ويحارب الإسلام، وفي الاقتصاد ظهر من تبنَّى الفكر الشيوعي والاشتراكي، وفي الأدب ظهر من نادى بالنظريات الغربية في دراسة اللغة وفي الأدب وفي النقد الأدبي، وأخذ كثيرون بالنظريات الغربية في علم الاجتماع وفي التاريخ وفي علم النفس وفي علم الإنسان وغير ذلك من العلوم (٢).

المصدر: الاستشراق لمازن صلاح مطبقاني


(١) ناقش الأستاذ محمد قطب في كتابه ((واقعنا المعاصر)) مسألة صناعة الزعيم حيث يتحول الكفاح ضد المستعمر الأجنبي قضية وطنية وتراب وتحرر وليس جهاداً إسلامياً كما أراده الله، وقد نجحوا في صناعة الزعيم في العديد من البلاد العربية الإسلامية، كما أسهموا فيما أطلق عليه سرقة الثورات.
(٢) ([١٦٧]) محمد خليفة حسن ((آثار الفكر الاستشراقي في المجتمعات الإسلامية))، الفصل الخامس بعنوان: الآثار السلبية للفكر الاستشراقي في المجال الثقافي والفكري (ص ٨٧ - ١٠٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>