للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب السادس: البشارة بـ (محماد) مشتهى الأمم:]

وبعد عودة بني إسرائيل من السبي، وتخفيفاً لأحزانهم، ساق لهم النبي حجي بشارة من الله فيها: (لا تخافوا؛ لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، وأنزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً قال رب الجنود .... مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام يقول رب الجنود) (حجي ٢/ ٦ - ٩).

وهذه النبوءة لا ريب تتحدث عن القادم الذي وعد به إبراهيم، وبشَّر به يعقوب وموسى ثم داود عليهم الصلاة والسلام.

وقبل أن نلج في تحديد شخصية هذا المشتهى من كل الأمم نتوقف مع القس السابق عبد الأحد داود، وهو الخبير باللغات القديمة، إذ يسوق لنا النص بالعبرانية: (لسوف أزلزل كل الأرض، وسوف يأتي (محماد) لكل الأمم ... وفي هذا المكان أعطي السلام)، فقد جاء في العبرية لفظة (محماد) أو (حمدت) كما في قراءة أخرى حديثة، ولفظة (محِمْادْ) في العبرانية تستعمل عادة لتعني: (الأمنية الكبيرة) أو (المشتهى)، والنص حسب الترجمة العبرانية المتداولة: (فباؤا حمدات كول هاجوييم).

لكن لو أبقينا الاسم على حاله دون ترجمة، كما ينبغي أن يكون في الأسماء، فإنا واجدون لفظة (محماد) هي الصيغة العبرية لاسم أحمد، والذي أضاعها المترجمون عندما ترجموا الأسماء أيضاً. يقول المؤرخ (ول ديورانت): (ولفظ محمد مشتق من الحمد، وهو مبالغة فيه، كأنه حمد مرة بعد مرة، ويمكن أن تنطبق عليه بعض فقرات في التوراة تبشِّر به) (١).وجاء في تمام النبوءة الحديث عن البيت الأخير لله، والذي هو أعظم مجداً من البيت الأول، ثم يقول: (في هذا المكان أعطي السلام)، وقد استخدمت الترجمة العبرية لفظة (شالوم) والتي من الممكن أن تعني الإسلام، فالسلام والإسلام مشتقان من لفظة واحدة (٢).

وقوله: (في هذا المكان أعطي السلام)، قد تتحدث عن عقد الأمان الذي عم تلك الأرض والذي أعطاه عمر بن الخطاب لأهل القدس عندما فتحها، فتكون النبوءة عن إعطاء السلام، ولم تنسبه إلى المشتهى، ذلك أن الأمر تمَّ بعد وفاته في أتباعه وأصحابه الكرام.

ولا ريب أن النبوءة لا تتحدَّث عن المسيح؛ إذ لا تقارب بين ألفاظ النبوءة واسمه، أو بين معانيه وما عهد عنه عليه السلام؛ إذ لم يستتب الأمن في القدس حال بعثته، بل بشر اليهود بخراب هيكلهم بعد حين، كما كان رسولاً إلى بني إسرائيل فحسب، وليس لكل الأمم، والقادم هو مشتهى الأمم جميعاً، وليس خاصًّا ببيت يعقوب، كما جاء في وصف المسيح مراراً.

وهذا الاستعمال لكلمة (السلام) بمعنى (الإسلام) يراه عبد الأحد داود لازماً في موضع آخر من (الكتاب المقدس)، فقد جاء في (إنجيل لوقا) أن الملائكة ترنموا عند ميلاد المسيح قائلين: (المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة) (لوقا ٢/ ١٤).

ويتساءل القس السابق عبد الأحد داود أي سلام حلَّ على الأرض بعد ميلاد المسيح، فقد تتابع القتل، والحروب ما تزال تطحن، وإلى قيام الساعة، ولذلك فإن الترجمة الصحيحة لكلمة (إيرينا) اليونانية في العبرانية: (شالوم)، وهي في العربية (الإسلام) كما (السلام).


(١) ((قصة الحضارة)).
(٢) ومثل هذا في القرآن في قوله: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً *البقرة: ٢٠٨*.

<<  <  ج: ص:  >  >>