للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التَّفْصِيلَ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ اسْتَلْزَمَ إبْطَالَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُهُ كَلَامٌ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إنْ اسْتَلْزَمَ إبْطَالَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كَانَ مَرْدُودًا، وَالْخَصْمُ يُسَلِّمُ هَذَا الْمَعْنَى لَكِنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ مُسْتَلْزِمٌ لِإِبْطَالِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ إمَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْعِدَّةِ وَحِرْمَانِ الْجَدِّ وَإِمَّا فِي مَجْمُوعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَفِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ أَحَدُ الشَّمُولَيْنِ ثَابِتٌ، وَهُوَ ثُلُثُ الْكُلِّ فِي كِلَيْهِمَا، أَوْ ثُلُثُ الْبَاقِي فِي كِلَيْهِمَا فَالْقَوْلُ بِثُلُثِ الْكُلِّ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَكَذَا فِي الْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا فَالْقَوْلُ بِأَنْ لَا شَيْءَ مِنْهَا وَاجِبٌ مُبْطِلٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَكَذَا فِي الْحُلِيِّ وَالضِّمَارِ وَكَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعِدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَجْبِ الْمَذْكُورِ مُبْطِلٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَالشَّأْنُ فِي تَمْيِيزِ صُورَةٍ يَلْزَمُ فِيهَا بُطْلَانُ الْإِجْمَاعِ عَنْ صُورَةٍ لَا يَلْزَمُ فِيهَا ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنْ كَانَا يَشْتَرِكَانِ فِي أَمْرٍ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ مُسْتَلْزِمًا لِإِبْطَالِ الْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا فَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ إمَّا حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ، أَوْ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَكْثَرَ مِنْ مَحَلٍّ وَاحِدٍ.

أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَمَسْأَلَةِ الْعِدَّةِ وَالْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ فَإِنَّ الْقَوْلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي بِالْأَشْهُرِ وَحْدَهَا، وَأَنَّ الْجَدَّ لَا يُحْرَمُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ

ــ

[التلويح]

اسْتِلْزَامِهِ إبْطَالَ الْإِجْمَاعِ، وَلَزِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَكَ الْقَوْلَانِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ مُسْتَلْزِمًا لِإِبْطَالِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ.

وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِأَكْثَرَ مِنْ مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَاخْتِلَافُ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَائِلًا بِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى، وَالْآخَرُ قَائِلًا بِالْعَكْسِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالِانْتِقَاضِ بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا بِمَسِّ الْمَرْأَةِ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالِانْتِقَاضِ بِالْمَسِّ دُونَ الْخُرُوجِ، فَالْقَوْلُ بِالِانْتِقَاضِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ بِعَدَمِ الِانْتِقَاضِ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ إبْطَالًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَائِلًا بِالثُّبُوتِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَهُوَ مَعْنَى شُمُولِ الْوُجُودِ، وَالْآخَرُ بِالْعَدَمِ فِيهِمَا، وَهُوَ مَعْنَى شُمُولِ الْعَدَمِ فَإِنْ اتَّفَقَ الشُّمُولَانِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ كَتَسْوِيَةِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ فِي الْوِلَايَةِ كَانَ الْقَوْلُ بِالِافْتِرَاقِ مُبْطِلًا لِلْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا كَالْقَوْلِ بِجَوَازِ الْفَسْخِ بِبَعْضِ الْعُيُوبِ دُونَ الْبَعْضِ. الثَّالِثِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَائِلًا بِالثُّبُوتِ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ بِعَيْنِهَا وَالْعَدَمِ فِي الْأُخْرَى، وَالْآخَرُ قَائِلًا بِالثُّبُوتِ فِي كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ فَيَكُونُ اتِّفَاقًا عَلَى الثُّبُوتِ فِي صُورَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ بِالْعَدَمِ فِيهِمَا فَيَكُونُ اتِّفَاقًا عَلَى الْعَدَمِ فَلَا

<<  <  ج: ص:  >  >>