للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدالّة على وجود الملائكة:

وقد نازَع في ثبوت هذه الحقيقة -أعني: الملائكة- الباطنية؛ حيث ينكرون الملائكة، ويتأولون الملائكة بأنهم دعاتهم إلى نحلتهم. قال البغدادي: (والباطنية ... ينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي، والأمر، والنهي. بل ينكرون أن يكون في السماء مَلَك، وإنما يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بِدعتهم .. ) (١). ويدخل فيمن خالف في هذا الأصل =كلُّ من أنكر وجود حقائق غيبية؛ بناءً على أصلهم الباطل في ردِّ كلِّ معرفة تتخطى الواقع المادّيّ، و"الملائكة" يطالها هذا النفي الكلّيّ لِزامًا؛ لكونها حقيقة مغيّبة عنّا. وقد وقع التصريح منهم أيضًا بذلك.

وفي بيان موقفهم يقول "بسّام الجمَل": (قد عَمِل المُتخيَّل الإسلامي على تجاوز سكوت القرآن عن حقيقة الملائكة، وعن وصف ملامحها، وهيئتها؛ فاعتبرها كائنات نورانية، لها أجسام لطيفة قادرة على أن تتشكّل الأشكال المختلفة، ولها أجنحة تطير بها. وقد جعل هذا المتخيّل بعضَ الملائكة من حملة العرش ... المتخيّل الإسلامي جعل للمَلاك جناحًا لم تقتصر وظيفته على الطيران، والانتقال بين السماء والأرض؛ وإنما اتُّخِذ أداةً للضرب. ومعلوم أن صورة المَلَك ذي الجناحين - أو أكثر- لا أصل لها في القرآن. ولكن المتخيّل الجَمْعيّ استعار هذه الصورة من ثقافات أخرى، وأضاف إليها من العناصر، وألحق بها من الوظائف ما جعلها مُعبِّرةً عن أحلام الجماعة الإسلامية، وعن تمثّلها لطَوْر متميّز من تاريخ الإسلام؛ حين كان لهذه "الكائنات اللاّمرئية" حضورٌ مباشر ومحسوس وقتئذٍ. ولذلك لا تستغرب أن يجعل المسلمون للملائكة أجنحة) (٢).


(١) "الفرْق بين الفِرَق" (٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) "أسباب النزول" (٣٩١).

<<  <   >  >>