للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالحرية في الإسلام هي أن تتصرف في كل أمر مشروع لك وليس فيه تعد على حقوق الآخرين ويكون داخلا ضمن عبوديتك لربك وامتثالك لأمره ونهيه، ومادام الإنسان لم يخرج عن إطار الشريعة الربانية فهو يعيش الحرية بتمامها سواء أكانت تلك الحرية فيما يتعلق بنفسه أو جسمه أو ماله أو عرضه يتصرف فيها في حدود ما شرعه الله له أو كانت فيما يتعلق بغيره في معاملاته الدنيوية: من بيع، وشراء، ونصيحة، ونقد وتوجيه، وأمر ونهي. أو الدينية: من تعليم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر .. وغير ذلك. أو كانت فيما يتعلق بعقل الإنسان وتفكيره حيث جعل الله للعقل مطلق الحرية في الارتفاع بصاحبه عن الخضوع والذل لغيرربه وفي وجوب إعمال الفكر فيما يحتوي عليه هذا الكون من بدائع وعجائب. فالإسلام يمنحه مطلق الحرية في تنظيم بديع فيه سعادة الإنسان أولا، ثم سعادة المجتمع الذي يعيش فيه ثانيا سواء أكان ذكرا أم أنثى. والذي خلق الإنسان وسائر الأنعام جعل لكل منها حرية تخصه فإن الأنعام لها مطلق الحرية دون تمييز بين الضار والنافع، ولكن الإنسان الذي كلفه الله وميزه بالعقل له حرية إذا تجاوزها صار كالأنعام فإذا تجاوزها أيضا صار أضل من الأنعام كما قال تعالى: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:١٧٩].

الحرية في مفهوم الجاهليات

أما الحرية في مفهوم الجاهليات قديما وحديثا فهي الظلم في القديم كما قال الشاعر:

والظلم من شيم النفوس ... فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم

والجنس كما هو حال الأمم التي أعرضت عن الدين، وكما عبر عنه الصينيون في تظاهراتهم المشهورة حينما قالوا: " إنه لا حرية عندنا إلا في الجنس ".

ولقد فهم الكثير من الذين ينادون بشعار الحرية أنها هي أن يعمل الإنسان ما يشاء، وأن يرتكب من المنكرات ما يلذ له، وأن يقول كل ما يريد قوله، وأن لا يكون للمجتمع أي تأثير عليه. إنه يفهمها على أنها الانفلات من كل القيود ثم الفوضى وإشاعة الفساد والوصول إلى الإلحاد تحت هذه التسمية ولقد ظهرت جحافل من دعاة الحرية خدعوا الناس وأوهموهم أنهم يجب أن يكونوا أحرارا لا قيود عليهم من دين أو مثل أو عرف بل هي الانطلاق التام. دون أن يفطن هؤلاء المخدوعون بأنها مصيدة يهودية ماسونية أوحوا بها إلى الدهماء من الجوييم كما يسمونهم ليملئوا بها فراغا في أذهانهم بينما هم يعلمون تماما أن لا حرية حقيقة سيصل إليها الجوييم وجاء دعاة الإباحية والوجودية والشيوعية بما زاد الطين بلة والنار اشتعالا وملؤوا أذهان الشباب والشابات بطنين الحرية الشخصية والحرية الجنسية والحرية الكلامية .. الخ، فإذا بتلك الحريات كلها تصب في مصب واحد هو القضاء على الأديان والعفة والشريعة الإسلامية وفتح الباب على مصراعيه لدعاة الفجور والفحش باسم الحرية، ومنع المصلحين من الإصلاح بدعوى عدم التدخل في شؤون الغير أو كبت حريتهم. جاء في كتاب (الحرية في الدول الاشتراكية) أنه لو قام مجتمع من النساء الحريصات على استقلال جنسهن بتكوين جماعة تدعوا أو تمارس بين النساء أنفسهن نظرية التناسل بدون رباط زواج فليس من حق الدولة أن تتدخل في أعمال تلك الجماعة " (١).


(١) ((الحاجة إلى تنسيق وتكامل إعلامي)) - حمود البدر (ص ١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>