للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأما صفوان فطلب صاحبه عمير بن وهب الجمحي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنه شهرين، وسار عمير حتى لحق به، وأخبره الخبر، وعاد صفوان ولا زال الخوف والوجل في قلبه فلما وقف على الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صلى بالناس العصر في المسجد، قال له صائحًا: يا محمد، إِن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إِلى القدوم عليك، فإِن رضيتُ أمرًا وإِلا سيرتني شهرين، فقال: إِنزل أبا وهب، قال: لا والله حتى تبين لي، قال: بل لك تسيير أربعة أشهر، فنزل صفوان (١).

وكان ممن أهدر دمه عبد الله بن سعد بن أبي السرح وكان قد أسلم ثم ارتد. وجاء به أخوه من الرضاعة عثمان بن عفان ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جماعة، وصار يستشفع له ويطلب الصفح عنه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلم، حتى طال الوقت فأعطاه الآمان، فخرج مع عثمان، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أما فيكم رجلٌ رشيد يقوم إِلى هذا حين رأى أني قد صَمَتُّ فيقتله. فقالوا: يا رسول الله، هَلّا أومأت إِلينا بم فقال: إِنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين (٢).

وأمر - صلى الله عليه وسلم - بلالًا أن يصعد على الكعبة ليؤذن لصلاة الظهر؛ وليغيظ المشركين، وبالفعل حصل هذا فقال أحدهم: لقد أكرم الله أبي أن لا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه، وقال الآخر: أما والله لو أعلم أنه مُحِقّ لاتبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد علمت الذي قلتم" (٣) وخطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بمكة خطبة عظيمة أبانت عن كرم خلقه وحلمه وعفوه وتجاوزه، حيث قال فيها: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن


(١) الصالحي، سبل الهدى ٥/ ٢٥٤.
(٢) الحديث في صحيح سنن أبي داود ح (٢٣٣٤).
(٣) الواقدي، المغازي ٢/ ٨٤٦، الصالحي، سبل الهدى والرشاد ٥/ ٣٧٣.

<<  <   >  >>