للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثلاث كذبات كلها في الله ... وغير مستحيل أن يكون الله -تعالى ذِكْره- أذن لخليله في ذلك، ليُقَرِّع قومه به، ويحتج به عليهم، ويُعرِّفهم موضع خطئهم، وسوء نظرتهم لأنفسهم، كما قال مؤذن يوسف لإخوته {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)} يوسف. ولم يكونوا سرقوا شيئًا) (١)

لكن يَرِد على هذا القول: أن من تأمَّل كلمات إبراهيم - عليه السلام - وجَدَ أنها ليست من الكذب المَحْضِ الذي لا رائحة للمعاريض فيها،

وعليه، فإن القول الذي يترجح في هذا المقام - والعلم عند الله -:

هو أنَّ تلك الكلمات الصادرة من نبي الله إبراهيم - عليه السلام - = منها ما هو كذب محضٌ في ذات الله؛ كقوله - عليه السلام -: {قال بل فعله كبيرهم هذا}، فإنه لا شائبة للتعريف فيه وإنَّما بدر منه - عليه السلام -ذلك؛ لكونه تعيَّن طريقًا لدفع مَفسدةِ الشِّرك الذي لابَسَه قومُهُ، وهذا - أي: الشرك - مفسدة تربو على مفسدة الكذب؛ فيكون مأذونًا فيه، ومُثابًا من جهة المصلحة التي تضمنها هذا الكذب. وهذا ما قرَّره المحققون من أهل العلم كالعزِّ ابن عبد السلام (٢)، فقد ذهب إلى أن الكذب مع كونه في أصله مفسدةً محرَّمةً، إِلَّا أنَّه يباح الإقدام عليه مني تضمَّن مصلحة تُربي على مفسدته وقبحه إحرازًا لتلك المصلحة؛ فيجوزُ تارة، ويجب أُخرى.

فإن قيل: لو كان الكذب الصادر من نبي الله إبراهيم - عليه السلام - مأذونًا له فيه = فَلِمَ اعتذر في موقف الشفاعة عن القيام بها؟

فيقال: الذي يظهر - والله أعلم - أنَّ أرباب الرُّتب العليَّة والمقامات السَّنية قد يقع منهم مثل ذلك بناء على إضافتهم الخطأ

(١) جامع البيانا للطَّبري (١٣/ ٤١).

(٢) انظر: "القواعد الكبرى لابن عبد السلام (١/ ١٥٢ - ١٥٣).


(١) "جامع البيان"للطَّبري (١٣/ ٤١)

<<  <   >  >>