للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بهدي الله) (١) .

ومرادُه - رحمه الله - بالتصديق المجرّد = التصديق الجازم بما أخبر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من غيبيات وكونه ليس موقوفًا على دفْع معارض عقلي، أو عقل كيفية وكُنه هذا الغيب. فهو - رحمه الله - لا يريد بالتصديق المجرّد هنا تصديقًا خاليًا عن تعقّل معاني هذا الغيب، أو الاستدلال عليه بالأدلة الشرعية العقلية التي نبّه عليها الوحي = فإنّ هذا مناقض لمقصود الشارع من جهتين:

الجهة الأولى: أَنَّ حقيقةَ التصديق الجازمِ =هو ما بُني على إقرارٍ وتعقُّل لما خوطِب به المصدق. وإلاّ؛ فكيف وقع الجزمُ إذن؟ فلا يقع الجزم إلَّا على أمر معقول انعقد القلبُ عليه.

والجهة الثانية: أَنَّ الشَّارع لم يخاطبنا بتلك الغيبيات، ويبيّن أدلّتها العقلية؛ إلاّ لِنفْهَمَ ذلك الغيب، ونوظّف تلك البراهين العقلية في إثباته، والاستدلال على ما يمكن الاستدلال عليه؛ وهو الغيبُ المتعقل.

=بل إِنَّ الإيمانَ بالغيبِ أَيضًا كما أنّه الفارق بين المسلم والكافر، هو أيضًا ممّا يميّز الإنسان المكرّم عن سائر مخلوقات الله. فإذا انسلخ عن هذا المَيْسَم الذي اختُصّ به = انحطّ إلى رُتبة الأنعام، وساواها فيما تشترك فيه.

يقول سيّد قطب - رحمه الله -: (الإيمان بالغيب؛ هو: العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يُدرِك إلا ما تُدرِكُه حواسُّه؛ إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجودَ أكبرُ وأشملُ من ذلك الحيّز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس -؛ وهي نقلةٌ بعيدةُ الأثر في تصوُّر الإنسان لحقيقة الوجود كلِّه، ولحقيقة


(١) "تيسير الكريم الرحمن" (ص ٤٠) .

<<  <   >  >>