للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وزاد في رواية: أنّ هرقل جمع عظاماء الرّوم في دسكرة «١» ، وأمر بإغلاق أبوابها، وأشرف عليهم، وقال: يا معشر الرّوم، هل لكم في الفلاح والرّشد، وأن يثبت ملككم إلى الأبد؟ أن تبايعوا لهذا النّبيّ، فنفروا نفرة شديدة إلى الأبواب، فوجدوها قد غلّقت، فلمّا رآى هرقل نفرتهم، وأيس من إيمانهم، قال: ردّوهم عليّ، وقال: إنّي قلت مقالتي تلك أختبر بها شدّتكم على دينكم، وقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه «٢» .

فائدة [: في أنّ حبّ الرّئاسة هو الّذي أضلّ هرقل]

لا تخفى حسن سياسة هرقل. وقوّة إدراكه، وثقوب فهمه، بما استدلّ به على صحّة نبوّة محمّد صلى الله عليه وسلم وصدقه، من البراهين الإقناعيّة لو ساعده التّوفيق، ولكن غلب عليه حبّ الرّئاسة، وهو الدّاء العضال الّذي غلب على إبليس فأبى واستكبر، مع سبق الشّقاوة، ولو وفّقه الله للهداية كما وفّق النّجاشيّ، لتلطّف لقومه في ظاهره، وآمن بقلبه، وأحسن إلى المسلمين بيده ولسانه، فجمع بين ملك الدّنيا والآخرة، ولكنّه ممّن أضلّه الله على علم، وكان منه ما سيأتي قريبا؛ من خروجه في محاربة الله ورسوله في قتال جعفر وأصحابه بغزوة (مؤتة) ، فأكرمهم الله تعالى بالشّهادة على يديه، وأشقاه. والعياذ بالله تعالى.

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [سورة آل عمران ٣/ ٨] .


(١) الدّسكرة: بناء كالقصر، حوله بيوت للأعاجم، فيها الشّراب والملاهي.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٧) .

<<  <   >  >>