للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التعصبَ المذهبي هو التمذهب، فالتعصبُ أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهبِ؛ لأنَّ ممارسةَ المتمذهبين في بعضِ العصورِ هي التي أَظهرت التعصَّبَ المذهبيَّ.

يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "اعتيادُ الاستدلالِ لمذهبٍ واحدٍ رُبّما يكسبُ الطالبَ نفورًا وإنكارًا لمذهبِ غيرِ مذهبِه" (١).

ثانيًا: ليس في التمذهب إعراضٌ عن الأدلةِ أو هدمٌ لها، متى ما أُحِسنَ تطبيقُه، بخلافِ التعصّبِ، فإنَّه هادمٌ للدليل؛ فتَجِدُ المتعصبَ يقفُ موقفَ الهادمِ لدليلِ المخالفِ لَمذهبه؛ لمجرَّد المخالفة، أو يقفُ موقفَ الرادِّ للدليلِ.

فردُّ الدليلِ المخالفِ للمذهبِ، أو تأويله تأويلًا بعيدًا؛ لمجرّدِ مخالفتِه للمذهبِ مِن التعصبِ، وليس مِنْ حقيقةِ التمذهبِ.

ثالثًا: يؤديْ التعصبُ إلى تفريقِ المسلمينَ، وإحداثِ النزاع والشقاقِ بينهم، أمّا التمذهبُ، فليس كذلك.

رابعًا: قد يكونُ البقاءُ على المذهبِ؛ لأجلِ قوةِ الدليلِ أو لمكانةِ الإمامِ أو لعدم الاطلاع على ما لدى المذاهبِ الأخرى، وقد يكونُ لهوى المتمذهب؛ أمَّا في التعصبِ فنُصْرةُ المذهبِ والبقاءُ عليه؛ للهوى، دونَ اعتبارٍ للدلَيلِ.

يقولُ ابنُ القيّمِ: "أمّا المتعصبون، فإنَّهم عكسوا القضيةَ، ونظروا في السنةِ: فما وافق أقوالَهم منها قَبلُوه، وما خالفها تحيّلوا في ردِّه أو ردّ دلالته ... " (٢).

وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والتعصبِ، نَجِدُ أنَّهما يصدقانِ على المتمذهبِ الذي يتعصبُ لمذهبِه ولأقوالِ إمامِه.


(١) الموافقات (٣/ ١٣١ - ١٣٢).
(٢) إعلام الموقعين (٢/ ١٤٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>