للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المبحث الثاني: مكانة مدرسة المدينة]

لقد كان لمدرسة المدينة مكانة كبيرة عند الحكام والمحكومين، فخلفاء بني أميَّة كانوا يرجِّحون علماءَ الحجاز وقولهم على أهل الشام وقولهم، وكذلك كان المنصور والمهدي والرشيد -وهم سادات خلفاء بني العباس- يرجِّحون علماء الحجاز وقولهم على علماء أهل العراق، وعندما وجد فيهم من عدل إلى الآراء المشرقية كثر الإحداث فيهم وضعفت الخلافة (١).

ويذكر مؤرخ الإسلام الذهبي وغيره أن الرشيد أراده على الخروج معه إلى بغداد فأبى (٢).

وذكر الذهبي في ترجمة الإمام مالك أن أبا جعفر المنصور قال للإمام مالك: "قد طلبت هذا الشأن في زمن بني أمية، فقد عرفته، فأمَّا أهل العراق فأهل إفك وباطل، وأما أهل الشام فأهل جهاد، وليس فيهم كبير علم، وأما أهل الحجاز ففيهم بقية علم" (٣).

كما يذكر ابن تيمية أن سائر أمصار المسلمين كانوا منقادين لعلم أهل المدينة، لا يعدُّون أنفسهم أكفاءهم في العلم، كأهل الشام ومصر، مثل الأوزاعي ومن قبله ومن بعده من الشاميين، ومثل الليث بن سعد ومَنْ قبله، ومَنْ بعده من المصريين، وتعظيمهم لعمل أهل المدينة، واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر بَيِّنٌ، وكذلك علماء أهل البصرة، كأيوب، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم (٤). وقد كان كبار العلماء يقدِّمون علماء أهل المدينة على غيرهم، وقد فضل الشافعي الإمامَ مالك على أبى حنفية في مناظرة جرت بينه وبين محمد بن الحسن.


(١) صحة عمل أهل المدينة: ٣٢.
(٢) الإكمال في أسماء الرجال. انظر مشكاة المصابيح: ٣/ ٩٨٧. إحياء علوم الدين: ١/ ٢٧.
(٣) تاريخ الإسلام للذهبي: حوادث سنة: ١٧١ - ١٨٠.
(٤) صحة عمل أهل المدينة: ٢٦.

<<  <   >  >>