للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وجه الدلالة من الحديث: أن الضرب بالعثكال ليس هو الحد الواجب في الأصل؛ بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يرشدهم إلى هذا: «اجْلِدُوهُ ضَرْبَ مِائَةِ سَوْطٍ»، وهذه الواسطة حيلة للتوصل إلى إسقاط الحد في حق مثل هذا الرجل، وفيها دلالة على جواز الحيل (١).

نوقش: بأن الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به (٢)، وعلى فرض صحته فالحديث ليس من الحيل، ولم يسقط النبي -صلى الله عليه وسلم- الحد، بل أمر بجلده مئة سوط، فلما أُخبر أنه مريض، أمر بجلده بعثكال فيه مئة شمراخ ضربة واحدة، فالحديث بيان لحد المريض، وليس إسقاطًا للحد؛ قال ابن قدامة: "المريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر، بسوط يؤمن معه التلف؛ كالقضيب الصغير، وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك، جمع ضغث فيه مئة شمراخ، فضرب به ضربة واحدة" (٣)، وليس في الحديث دلالة على جواز الحيل.

الدليل الخامس: أن الناس ليس لهم إلا الحكم بالظاهر، وأما المقاصد والنيات فحكمها إلى الله، ولو أوقفت الشريعة صحة العقود إلى أن ينقطع كل احتمال مخالف للظاهر، لتعطلت معظم المعاملات، ولعادت على الناس أضعاف المفاسد التي يمكن أن تعود عليهم جراء الاحتمالات المحجوبة عن الظاهر (٤)، قال الشافعي: "ولو كان لأحد من الخلق أن يحكم على خلاف الظاهر ما كان ذلك لأحد إلا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما يأتيه به الوحي وبما جعل الله تعالى فيه مما لم يجعل في غيره من التوفيق، فإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم


(١) انظر: ضوابط المصلحة، للبوطي، ص ٣٢١.
(٢) انظر تخريج الحديث.
(٣) المغني، لابن قدامة ٩/ ٤٨.
(٤) انظر: ضوابط المصلحة، للبوطي، ص ٣١٠.

<<  <   >  >>