للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[مقدمة]

أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي، إمام لغوى جليل، وأديب ذو زعامة أدبية، وشاعر رقيق الشعر، ومؤلف صاحب ابتكار وتجديد في التأليف.

فهو بين اللغويين في رتبة أصحاب الصحاح من المحدثين، لا يورد في كتبه إلا ما صح من لغات العرب، وهو صاحب «المجمل» ذي الشهرة الذائعة، وهو صاحب «مقاييس اللغة» الذي يقوم ناشر نوادر المخطوطات بتحقيقه، وهو المعجم اللغوي الذي لم يؤلف قبله ولا بعده في موضوعه، وهو القياس اللغوي. ونظير هذا المعجم الفذ في ندرته معجم «أساس البلاغة» للزمخشري، الذي لم يؤلف قبله ولا بعده في موضوعه، وهو مجاز اللغة. وهذان المعجمان مفخرتان من مفاخر التأليف الشرقي الإسلامي.

وهو بين أدباء عصره، إذ يتنازعه بلاط آل بويه، وحضرة الصاحب بن عباد، ويجتذبه آل العميد، معترف له بالزعامة الأدبية، يقول فيه الصاحب بن عباد: «شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف، وأمن فيه من التصحيف». ويروى له الثعالبي في يتيمة الدهر رساله قيمة في النقد (١) كما يروى ياقوت مساجلة أدبية بينه وبين عبد الصمد بن بابك (٢).

وقد أوردت في مقدمة مقاييس اللغة طائفة من مختار شعره تنبئ عن رقة وشاعرية ممتازة، كما أوردت له نحو أربعين مصنفا تدل عنوانات كثير منها على ابتكاره وتجديده في التصنيف والتأليف. ولكني لم أذكر بينها «أبيات الاستشهاد» إذ لم أكن قد عثرت عليها بعد، ولم يذكرها أحد من مؤلفي التراجم ولا واضعي فهارس المصفات قديمها وحديثها. وقد يكون هو كتاب «ذخائر الكلمات» الذي ورد في مقدمة مقاييس اللغة ص ٢٩.

ومهما يكن فإن موضوع هذا الكتاب واضح، وهو ذكر الأبيات التي تصلح للتمثل بها في مضارب مختلفة، أو هو الأمثال الشعرية مع ذكر مضاربها. وقد ساق ذلك في أسلوب أدبى. ويبدو أنه كان لابن فارس عناية خاصة بالأمثال، إذ وضع كتابا آخر سماه «أمثلة الأسجاع».

وأصل أبيات الاستشهاد نسخة فذة في العالم، مودعة في الخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية برقم ٤٤٥ أدب، وهي رديئة الخط تقع في نحو اثنتي عشرة صفحة، عانيت كثيرا في قراءتها وفي نسبة أبياتها التي قضى الذوق الأدبي لابن فارس أن يجردها من نسبتها، فوفقت في أكثر ذلك وغاب عنى نسبة القليل.


(١) يتيمة الدهر ٢: ٢١٤ - ٢١٨.
(٢) انظر نهاية ترجمته في معجم الأدباء.

<<  <  ج: ص:  >  >>