للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

نعجب من قوله عن الزاد. فلما صرنا إلى الموضع الذي فيه الزاد طلبناه فلم نجده، وإذا الوحش قد أكلته، فسرنا ثم افترقنا وركب كل (١) منا قصده، فوصلت إلى أرض شيزر، وإذا الفرنج قد أغاروا على البلد، وهم منتشرون فيما بيني وبين قصدي، فوقع في نفسي أن أخرجت الطاقية من تحت عمامتي ووضعتها على رأس العصا ومشيت على الطريق، والفرنج عن يميني وشمالي وبين يدي والعصا في يدي وعليها الطاقية، فلا والله ما عارضني منهم أحد، كأن الله سبحانه وتعالى أعمى أبصارهم عني، فما نالني منهم سوء حتى وصلت إلى مأمني.

قال المؤلف أطال الله بقاءه: ولعل من يقف على هذا الحديث يدفعه ويكذبه. وقد جرى بشيزر ما هو أعجب من هذا، وأنا حاضر نزل الفرنج علينا في بعض السنين، وكان الماء بيننا وبينهم، وهو إذ ذاك زائد لا يمكن خوضه، فما كان لنا إليهم سبيل ولا لهم إلينا، فلما تبينوا ذلك انتشروا في الأرض ودخلوا في البساتين يرعون خيلهم، فجاء نفر منهم إلى بستان على جانب الماء ومعهم خيلهم، فتركوها ترعى في قصيل من البستان (٢) وناموا، فتجرد رجال من أصحابنا وسبحوا إليهم ومعهم سيوفهم، فقتلوا منهم وجرحوا بعضهم، وانتشر الصياح في الفرنج وهم في خيمهم ففزعوا وجاءوا مثل السيل، كل من ظفروا به قتلوه، وانتهى بعضهم إلى مسجد مما يليهم يعرف بمسجد أبي المجد بن سمية، ونحن نراهم ولا سبيل لنا إليهم، وفي المسجد [رجل (٣)] يعرف بحسن الزاهد رحمه الله، واقف يصلي على سطحه وعليه ثياب سود صوفاً، وباب المسجد مفتوح، فجاء الفرنج وترجلوا ودخلوا المسجد، ونحن نقول: الساعة يقتلون الشّيخ.


(١) خ: «كل رجل».
(٢) القصيل: ما اقتصل واقتطع من الزرع أخضر. ولم يظهر في الأصل إلا «قص».
وفي خ: «فصيل»، صوابهما ما أثبت.
(٣) ليس لها موضع في الأصل، وإثباتها من خ كما توقعت في الطبعة الأولى.

<<  <  ج: ص:  >  >>