للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والاستحسانِ وأقوال الشيوخ: عرضَ لهم مِنْ ذلك فسادٌ في فطرِهم، وظلمةٌ في قلوبِهم ... " (١).

وفي تركِ الاستدلالِ بنصوصِ الكتابِ والسنةِ تعصبٌ للمذهبِ، مِنْ جهةِ أنَّ الباعثَ لبعضِ المتمذهبين على تركِ الاستدلال بهما، والإعراضَ عنهما هو القناعةُ بعدمِ الحاجةِ إلى معرفةِ دليلِ إمامِ المذهبِ (٢)؛ لأنَّ أقواله كلَّها صوابٌ.

يقولُ أبو بكرٍ الطرطوشي (ت: ٥٣٠ هـ) (٣): "جمهورُ المقلِّدين في هذا الزمانِ لا تجدُ عندهم مِنْ آثارِ الصحابةِ والتابعين كبير شيءٍ، وإنَّما مصحفُهم (٤) مذهبُ إمامِهم! " (٥).

ويقولُ ابنُ القيّمِ مستنكرًا التعصبَ المذهبيَّ: "تالله إنَّها فتنةٌ عمَّتْ فأَعْمَتْ، ورَمَت القلوبَ فأصمّتْ، ورَبَى (٦) عليها الصغيرُ، وهَرِمَ عليها


(١) الفوائد (ص/ ٦٥).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٧/ ٣٣٥)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٢٤٢) ط/ دار الفتح، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ٨٥).
(٣) هو: محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي، ويعرف في زمنه بابن أبي رندقة، ولد سنة ٤٥١ هـ كان أحد أئمة المالكية، ثقة فاضلًا، جليل القدر، عالمًا عاملًا، دينًا متواضعًا، زاهدًا ورعًا، متقللًا من الدنيا، من مؤلفاته: كتاب الحوادث والبدع، وسراج الملوك، وبر الوالدين، والعمد في الأصول، ورسالة في تحريم الجبن الرومي، توفي بالإسكندرية سنة ٥٣٠ هـ. انظر ترجمته في: الغنية للقاضي عياض (ص/ ٦٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٦٢)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٩٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ١٧٥)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٤٤)، ونفح الطيب للمقري (٢/ ٨٥)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٢٤).
(٤) هكذا وردت اللفظة في: المصدرين اللذين جاء النقل فيهما، وأظن أنَّ اللفظة مصحفة، وصوابها: "صُحُفُهم"؛ لأن التعبير بالصحف أنسب للسياق، إذ التعبير بآثار الصحابة والتابعين ينسها التعبير بالصحف، لا المصحف، ولو جاء في الكلام ذكرٌ للآيات والأحاديث، لناسب التعبير بالمصحف، والله أعلم.
(٥) نقل كلام أبي بكر الطرطوشي ابنُ فرحون في: تبصرة الحكام (١/ ٣١)، وأبو الحسن التسولي في: البهجة في شرح التحفة (١/ ٢١).
(٦) ربى: بمعنى نَشَأَ. انظر: القاموس المحيط، مادة: (ربا)، (ص/ ١٦٥٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>