للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِهِ

الواو للحال والجملة حال بتقدير قد على المشهور من الضمير في الخبر وسطت بين أجزاء الشرق اهتماما بالتسجيل عليهم بالكفر أو للعطف على كانَ كما في قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ [فصلت: ٥٢] وكذا الواو في قوله تعالى: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ إلا أنها تعطفه بما عطف عليه على جملة ما قبله، فالجمل المذكورات بعد الواوات ليست متعاطفة على نسق واحد بل مجموع شَهِدَ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ معطوف على مجموع كانَ وما معه، مثله في المفردات هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [الحديد: ٣] والمعنى إن اجتمع كونه من عند الله تعالى مع كفركم واجتمع شهادة الشاهد فإيمانه مع استكباركم عن الإيمان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في جواب الشرط وفي مفعولي أَرَأَيْتُمْ وضمير «به» عائد على ما عاد عليه اسم كان وهو ما يوحى من القرآن أو الرسول، وعن الشعبي أنه للرسول، ولعله يقول في ضمير كانَ أيضا كذلك وكنا في ضمير عَلى مِثْلِهِ لئلا يلزم التفكيك. وأنت تعلم أن الظاهر رجوع الضمائر كلها للقرآن، وتنوين شاهِدٌ للتفخيم، وكذا وصفه بالجار والمجرور أي وشهد شاهد عظيم الشأن من بني إسرائيل الواقفين على شؤون الله تعالى وأسرار الوحي بما أوتوا من التوراة على مثل القرآن من المعاني المنطوية في التوراة من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك فإنها في الحقيقة عين ما فيه كما يعرب عنه قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] على وجه، وكذا قوله سبحانه: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى [الأعلى: ١٨] والمثلية باعتبار تأديتها بعبارات أخرى أو على مثل ما ذكر من كونه من عند الله تعالى والمثلية لما ذكر، وقيل: على مثل شهادته أي لنفسه بأنه من عند الله تعالى كأنه لإعجازه يشهد لنفسه بذلك، وقيل مثل كناية عن القرآن نفسه للمبالغة، وعلى تقدير كون الضمير للرسول صلّى الله عليه وسلّم فسر المثل بموسى عليه السلام.

والفاء في قوله تعالى: فَآمَنَ أي بالقرآن للسببية فيكون إيمانه مترتبا على شهادة له بمطابقته للوحي، ويجوز أن تكون تفصيلية فيكون إيمانه به هو الشهادة له، والمعنى على تقدير أن يراد فآمن بالرسول صلّى الله عليه وسلّم ظاهر بأدنى التفات، وقوله تعالى: وَاسْتَكْبَرْتُمْ أي عن الإيمان معطوف على ما أشرنا إليه على شَهِدَ شاهِدٌ وجوز كونه معطوفا على «آمن» لأنه قسيمه ويجعل الكل معطوفا على الشرط، ولا تكرار في اسْتَكْبَرْتُمْ لأن الاستكبار بعد الشهادة والكفر قبلها، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي الموسومين بهذا الوصف، استئناف بياني في مقام التعليل للاستكبار عن الإيمان، ووصفهم بالظلم للإشعار بعلة الحكم فتشعر هذه الجملة بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم وهو دليل جواب الشرط ولذا حذف ومفعولا أَرَأَيْتُمْ محذوفان أيضا لدلالة المعنى عليهما، والتقدير أرأيتم حالكم إن كان كذا فقد ظلمتم ألستم ظالمين، فالمفعول الأول حالكم والثاني ألستم ظالمين، والجواب فقد ظلمتم، وقال ابن عطية: في أَرَأَيْتُمْ يحتمل أن تكون منبهة فهي لفظ موضوع للسؤال لا تقتضي مفعولا، ويحتمل أن تكون جملة إِنْ كانَ إلخ سادة مسد مفعوليها، وهو خلاف ما قرره محققو النحاة في ذلك. وقدر الزمخشري الجواب ألستم ظالمين بغير فاء. ورده أبو حيان بأن الجملة الاستفهامية إذا وقعت جوابا للشرط لزمها الفاء فإن كانت الأداة الهمزة تقدم على الفاء وإلا تأخرت، ولعله تقدير معنى لا تقدير إعراب، وقدره بعضهم أفتؤمنون لدلالة فَآمَنَ وقدره الحسن فمن أضل منكم لقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٥٢] وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ١٤٤، القصص: ٥٠، الأحقاف: ١٠] وقيل: التقدير فمن المحقق منا ومنكم ومن المبطل؟ وقيل: تهلكون، وقيل: هو فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ أي فقد آمن محمد صلّى الله عليه وسلّم به أو الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان، وأكثرها كما ترى.

<<  <  ج: ص:  >  >>