للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني: "وقولهم: لفظي بالقرآن مخلوق خطأ، لأنّ قائل هذا يريد أن يتدرج إلى أن يقول القرآن مخلوق، وهو لا يجسر أن يفعله ظاهرًا، فيقوله باطنًا" (١).

وكما أن الإمام أحمد اشتهر عنه وتواتر أنه كان يجهِّم من يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق"، فإنه كان يُبدِّع من يقول: "لفظي بالقرآن غير مخلوق" (٢)، فاللفظ كما تقدم يراد به التلفظ - وهو حركة العبد وصوته - وهو مخلوق، ويراد به الكلام الملفوظ المتلو الذي يتلوه العبد، وذلك غير مخلوق، فهو كلام الله تعالى وليس كلام القارئ، فإطلاق الخلق على اللفظ قد يُوهم المعنى الثاني وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ، فَمَنع الإمامُ أحمد الإطلاقين.


(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٠٧).
(٢) تنبيه: أطلق جماعةٌ من أهل السنة والحديث القول بأنّ ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة، ومرادهم باللفظ في هذا الإطلاق كلام الله تعالى المنزل المؤلف من الحروف والكلمات، وأرادوا بذلك الرد على اللفظية النافية الذين يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة.
ومع صحة مقصدهم من إطلاق نفي الخلق على اللفظ، إلا أنه جاء بعدهم أقوام وافقوهم في إطلاق هذا اللفظ، وأدخلوا في ذلك فعل العبد الذي هو حركته وصوته، وهذا غير صحيح.
ولا شك أنّ الأسلم والأولى هو ما عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة من الكفّ عن إطلاق: "لفظي بالقرآن غير مخلوق"؛ لكونه لفظًا مبتدعًا لم يتكلم به السلف، ولِما يجرّ من الوقوع في المحذور، لكون اللفظ قد يُقصد به التلفظ الذي هو فعل العبد، ولذا أدخل بعضُهم - كما سيأتي- فعلَ العبد وحركته في اللفظ، وزعموا أنّ ذلك ليس بمخلوق.

<<  <   >  >>