للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[القاعدة الرابعة: المحاذير التي يقع فيها من يتوهم أن مدلول نصوص الصفات هو التمثيل]

قال رحمه الله تعالى: [وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة، وهو أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير].

قبل أن يبدأ بالمحاذير أحب أن أذكركم بشيء يدركه كل عاقل يسمع كلام الله من كتابه، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء في وصف الله عز وجل بأسمائه وصفاته وأفعاله والأخبار عنه: أن المسلم عندما يسمع ويتأمل الخطاب يتوهم في خاطره صوراً أو أشكالاً معينة، وهذا التصور والتوهم ما هو إلا خيالات في الأذهان، فما نتصوره ونتوهمه في صفات الله عز وجل في أسمائه وأفعاله، وأمور الغيب عموماً، كنعيم الجنة وما فيها، وأحوال القيامة، وأشراط الساعة، ما هو إلا وهم وخيال لا حقيقة له، والشيخ رحمه الله يريد أن يبين أن مشكلة الذين وقعوا في التأويل أنهم لما سمعوا بأسماء الله وصفاته وأفعاله توهموا له صوراً، وبالتالي نفروا من هذه الصور، وعند ذلك اضطروا للتأويل والتعطيل، فأدى هذا إلى الخلل عندهم في الاعتقاد، وزعموا أن الإثبات تشبيه، وفي حقيقة الأمر أن الذي في أذهاننا من صور وأشكال للمعاني التي نسمعها إنما هي أوهام يجب ألا تتعلق بها اعتقاداتنا، بل وأحياناً تكون أمثالاً تضرب لتقريب المعاني الحقيقة لا للحقيقة، فالحقيقة الغيبية أبعد من أن نتخيلها على ما يقرب من حقيقتها؛ لأن الله عز وجل قال عن صفاته وعن نفسه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١].

قال رحمه الله تعالى: [فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: أحدها: كونه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.

الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله].

هو أراد شيئاً واضحاً، ولو أدرجنا عبارة لصارت الجملة منتظمة المعنى، وهو قوله: الثاني من المحاذير التي وقع فيها المؤولة، حينما جعل الذي أول وعطل ما توهمه في خياله هو مفهومها، فنفر من هذا المفهوم؛ لأنه وقف عنده؛ ولأنه تصور أنه هو المطلوب من النص، وتصور أنه هو الخطاب، وهذا غلط.

إذاً: هذا المتوهم جعل وهمه هو مفهوم النصوص، ثم أراد أن ينزه الله عز وجل عن الخيال الذي توهمه مع أن الله منزه سلفاً عن خياله، لكنه ظن أن دلالات النصوص هي هذه الأوهام فسماها: تشبيهاً، فأول النصوص وأنكر دلالاتها بدعوى أنه تشبيه، وما ذلك إلا وهم في عقله القاصر.

قال رحمه الله تعالى: [فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم -حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل- قد عطل ما أودع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه.

الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم، فيكون معطلاً لما يستحقه الرب.

الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات.

فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثله في المنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحداً في أسماء الله وآياته].

<<  <  ج: ص:  >  >>