للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

• المطلب الخامس: الإصابة بسبب القصاص في الجنايات:

إن من أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يتعرض له أهل العافية عند إيقاع القصاص بهم، إن هم ارتكبوا جناية* من الجنايات التي توجب القصاص، وذلك فيما دون النفس كبتر طرف من الأطرف، أو إتلاف حاسة من الحواس.

قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)} [المائدة: ٤٥]، قال الإمام السرخسي: " اعلم بأنَّ الجناية اسمٌ لفعلٍ مُحرَّم شرعا سواء حل بمال أو نفس، ولكن في لسان الفقهاءِ يُراد بإطلاقِ اسم الجناية الفعلُ في النفوس والأطراف" (١)،

قد يقول قائل أو يسأل سائل هل نريد لأهل العافية السلامة أم الإصابة؟ الجواب على ذلك أن الله عز وجل شرع هذه العقوبة ليحيا الناس حياة طيبة قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)} [البقرة: ١٧٩] قال الإمام الطبري " يعني تعالى ذكره بقوله: : {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ}، ولكم يا أولي العقول، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، ما مَنع به بعضكم من قتل بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة" (٢)، فالتشريع القرآني فيه سعادة الإنسان، وهكذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام.

"فعن عروة بن الزبيرِ، (أن امرأة سرقت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الفتحِ، ففزع قومها إِلى أُسامة بنِ زيد يستشفعونه، قال عروةُ: فلما كلمه أُسامة فيها، تلون وجه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أَتُكلِّمُني في حَدٍّ مِن حُدودِ اللهِ، قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشيّ قام خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكمْ: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها ثم أمر صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة رضي الله عنها: فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم -) ". (٣)


(١) - السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة (توفى: ٤٨٣ هـ)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م، ج ٢٧، ص ٨٤.

* الجِنَايَةُ: الذَّنْبُ والجُرْم وَمَا يَفْعَلُهُ الإِنسان مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعِقَابَ أَو الْقِصَّاصَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (ابن منظور، لسان العرب، بيروت، ج ١٤، ص ١٥٤). الجنحة: جريمة يُعاقب عليها الفاعل بالحبس أو الغرامة بمبلغ مُعيَّن، (معجم اللغة العربية المعاصر، ج ١، ص ٤٠٣).
(٢) - الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٣، ص ٣٨٢.
(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب، ج ٥، ص ١٥١، حديث رقم ٤٣٠٤.