للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وبهذا يظهر الجمع بين حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع والفاجر بشجرة الأرز، وبين حديث تمثيل المؤمن بالنخلة. فإن التمثيل بالزرع لجسده؛ لتوالي البلاء عليه، والتمثيل بالنخلة إيمانه وعمله وقوله، يدل عليه قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} (١) فجعلها مثلًا بكلمة الشهادة التي هي أصل الإسلام، وثبوتها في قلب المؤمن كثبوت أصل النخلة في الأرض، وارتفاع عمل المؤمن إِلَى السماء كارتفاع النخلة، وتجدد عمل المؤمن من كل حين كإتيان النخلة أكلها كل حين.

وقد روي عن أبي هريرة "أن المؤمن الضعيف مثل الزرع، والقوي مثله كمثل النخلة".

وخرجه البزار وغيره مرفوعًا، ولا يصح رفعه، إِنَّمَا هو موقوف، قاله الدارقطني وغيره.

ومنها أن ثمرة الزرع وهو السنبل يستضعف ويطمع فيه كل أحد لقرب تناوله فيطمع الآدمي في الأكل منه وفي قطعه وسرقته، والبهائم في رعيه، والطير في الأكل منه، وكذلك المؤمن يستضعف، فيعاديه عموم الناس؛ لأنّ الإسلام بدأ غريبًا ويعود غرييًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. فعموم الخلق يستضعفه ويستغربه، ويؤذيه لغربته بينهم.

وأما الكافر أو المنافق أو الفاجر الَّذِي كالصنوبرة، فإنه لا يطمع فيه، فلا الرياح تزعزع بدنه، ولا يطمع في تناول ثمرته لامتناعها.

وفي كتاب "الزهد" للإمام أحمد عن عصام بن يحيى الحضرمي قال: شكى الحواريون إِلَى المسيح عليه السلام من ولع الناس بهم وبغضهم إياهم.

فَقَالَ المسيح: كذلك المؤمنون مبغوضون في الناس، وإنما مثلهم كمثل حبة القمح ما أحلى مذاقها وأكثر أعدائها!!.


(١) إبراهيم: ٢٤.