للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال كعب: في التوراة: "ما كان حليم قط في قوم إلا بغوا عليه وحسدوه".

وكان خيثمة يقول كلامًا معناه: إِنَّ من الناس من أجتهد في نفعه وهو يجتهد في إيذائي، إنه لا يحب منافق مؤمنًا أبدًا.

ومنها أن المؤمن يمشي مع البلاء كيف ما مشى به، فيلين له فيقلبه البلاء يمنة ويسرة، فكلما أداره استدار معه، فيكون عاقبته العافية من البلاء وحسن الخاتمة، وتوقي ميتة السوء. فلهذا كان مثله كمثل السنبلة (تفيئها) (*) الرياح يمنة ويسرة، فلا تضره الرياح كما في أمثال العرب: إذا رأيت الريح عاصفًا فتطامن، أي: إذا رأيت الأمر غالبًا فاخضع له.

وقال الحكماء: لا يرد لم العدو القوي بمثل الخضوع له، ومثله مثل الريح العاصف يسلم منها الزرع للينه لها ومعها، ويتقصف منها الشجر العظام لانتصابها لها. فإن الفاجر لقوته وتعاظمه يتقاوى عَلَى الأقدار، ويستعصي عليها، كشجرة الصنوبر التي تستعصي عَلَى الرياح، ولا تتطامن معها، فتسلط عليه ريح عاصف لا يقوى عليها، فتقلعه من أصله بعروقه فتهلكه. وهذا كما حكى الله عن عاد قال: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ... } (١) فالمؤمن لمَّا تواضع لعظمة اللَّه، وصبر عَلَى بلائه كانت عاقبته (الحسنى) (**)، وسلم في الدُّنْيَا والآخرة من البلاء، وكانت العافية له.

والفاجر لما تكبر وتعاظم وتقاوى عَلَى أقدار الله عجَّل اللَّه عقوبته، فسلط عليه بلاء يستأصله، ولا يقدر عَلَى الامتناع منه، كالشجر العظام التي تقتلعها الرياح بعروقها.

قال بعضهم:

إِنَّ الرياح إذا عصفن فإنما ... تولي الأذية شامخ الأغصان


(*) تقلبها: "نسخة".
(١) فصلت: ١٥ - ١٦.
(**) الجنة: "نسخة".