للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ليس العمى طول السّؤال وإنما ... تمام العمى طول السّكوت على الجهل

ثم رجعت إلى البصرة فمكثت بها حينا، ثم قدمت البادية، فإذا بالأعرابىّ جالسا بين ظهرانى قوم؛ وهو يقضى بينهم، فما رأيت قضية أخطأت قضية الصالحين من قضيّته؛ فجلست إليه، فقلت: يرحمك! الله أما من رشوة؟ أما من هدية؟ أما من صلة؟ فقال: لا إذا جاء هذا ذهب التوفيق؛ فشكوت إليه ما ألقى من عذل حليلة لى إياى فى طلب المعيشة، فقال: لست فيها بأوحد، وإنى لشريكك، ولقد قلت فى ذلك شعرا، فقلت: أنشدنيه، فأنشدنى:

/ باتت تعيّرنى الإقتار والعدما ... لمّا رأت لأخيها المال والخدما

عنف لرأيك! ما الأرزاق من جلد، ... ولا من العجز؛ بل مقسومة قسما

يا أمة الله إنّى لم أدع طلبا ... للرّزق- قد تعلمين- الشّرق والشأما

وكلّ (١) ذلك بالإجمال فى طلب ... لم أرد عرضا، ولم أسفك لذاك دما

لو كان من جلد ذا المال أو أدب ... لكنت أكثر من نمل القرى نعما

ارضى من العيش ما لم تحوجى معه ... أن تفتحى لسؤال الأغنياء فما

واستشعرى الصّبر علّ الله خالقنا ... يوما سيكشف عنّا الفقر والعدما (٢)

لا تحوجينى (٣) إلى ما لو بذلت له ... نفسى لأعقبك التّهمام والنّدما

بالله سرّك أنّ الله خوّلنى ... ما كان خوّله الأعراب والعجما

ما سرّنى أنّنى خوّلت ذاك ولا ... ألّا أقول لباغى حاجة نعما

وأننى لم أحز (٤) عقلا ولا أدبا ... ولم أرث والدى مجدا ولا كرما

فعسرة المرء (٥) أحرى فى معاشك من ... أمر يجرّ عليك الهمّ والألما


(١) حاشية الأصل (من نسخة): «فكل».
(٢) حاشية الأصل (من نسخة):
«الضر والعدما».
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): «لا تحوجنى» مع نون التوكيد.
(٤) حاشيتى الأصل (من نسخة): «لم أفد عقلا».
(٥) حاشية الأصل (من نسخة):
«فعسرة المال».