للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

تمتثلوا أمره، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}، أي: ثابت العداوة لكم سرا وعلنا ظاهرا وباطنا، {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}، فعبادة الله وحده هي الطريق اللاحب، والنهج الصائب، {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا}، أي: أن الشيطان قد أغوى وأضل منكم خلقا كثيرا، فكانت عاقبة الضالين منكم هي العذاب الأليم، لانحرافهم عن الصراط المستقيم، {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}.

وها هو كتاب الله يصف سوء عاقبتهم، حتى أن "أيديهم"، التي كانوا يبطشون بها أصبحت هي الشاهدة عليهم بما اجترحوه من الآثام في خطواتهم، بدلا من أفواههم وألسنتهم، التي لم تعد لها أدنى قدرة على الجواب، لأن أصحابها أبلسوا عند الحساب، وذلك قوله تعالى هنا: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، وكإرهاص سابق في الدنيا من هذا القبيل، ما هو معروف الآن من أن بصمات الأصابع وفك الأسنان، تكشف أثناء التحقيق في الجرائم عن شخصية الإنسان. قال القرطبي: (فإن قيل: لم قال الله تعالى: {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ}، فجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره " شهادة "، وقول الفاعل على نفسه " إقرار " بما قال أو فعل، فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل " بالشهادة ") وهذه لطيفة من لطائف التفسير ونفائسه.

<<  <  ج: ص:  >  >>