للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عبد الله بن المقفّع، وكان ابن المقفّع يحب ذلك، فجمعهما عبّاد بن عبّاد المهلبىّ فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهنّ، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ قال: ما رأيت مثله، وعلمه أكبر من عقله، / وقيل لابن المقفّع: كيف رأيت الخليل؟ قال: ما رأيت مثله، وعقله أكبر من علمه. قال المغيرة: فصدقا، أدّى [عقل الخليل الخليل إلى أن مات أزهد الناس] (١)، وجهل ابن المقفّع أدّاه إلى أن كتب أمانا لعبد الله بن عليّ فقال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله فنساؤه طوالق؛ ودوابّه حبس (٢)، وعبيده أحرار، والمسلمون فى حلّ من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور جدّا وخاصة أمر البيعة، وكتب إلى سفيان بن معاوية المهلّبىّ وهو أمير البصرة من قبله بقتله، فقتله.

وكان ابن المقفع مع قلّة دينه جيّد الكلام، فصيح العبارة، له حكم وأمثال مستفادة؛ من ذلك ما روى من أن يحيى

بن زياد الحارثىّ كتب إليه يلتمس معاقدة الإخاء والاجتماع على المودّة والصفاء، فأخّر جوابه، فكتب إليه كتابا آخر يسترثيه، فكتب إليه عبد الله:

إنّ الإخاء رقّ؛ فكرهت أن أملّكك رقّى قبل أن أعرف حسن ملكتك.

وكان يقول: «ذلّل نفسك بالصبر على الجار السوء، والعشير السوء، والجليس السوء، فإنّ ذلك لا يكاد يخطئك».

وكان يقول: «إذا نزل بك أمر مهمّ فانظر؛ فإن كان ممّا له حيلة فلا تعجز، وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع».

ودعاه عيسى بن عليّ إلى الغداء فقال: «أعزّ الله الأمير! لست يومى للكرام أكيلا»، قال: ولم؟ قال: «لأنّى مزكوم والزّكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار».

وكتب إلى بعض إخوانه: «أمّا بعد، فتعلّم العلم ممّن هو أعلم به منك، وعلّمه من


(١) حاشية الأصل (من نسخة): «فإن عقل الخليل أداه إلى أن مات أزهد الناس».
(٢) الحبس، بالضم: ما وقف؛ وهو جمع الحبيس؛ وفى الحديث: «ذلك حبيس فى سبيل الله»، أى موقوف على الغزاة، يركبونه فى الجهاد.