للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قليل عيبه والعيب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ غفور (١)

أراد: غنى ربّ غفور؛ وقال ذو الرّمة:

لهم مجلس صهب السّبال أذلّة ... سواسية أحرارها وعبيدها (٢)

أراد أهل مجلس، وأما قوله: «صهب السّبال» فإنما أراد به الأعداء، والعرب تصف الأعداء بذلك، وإن لم يكونوا صهب الأسبلة، وقوله: «سواسية» يريد أنهم مستوون متشابهون؛ ولا يقال هذا إلا فى الذم.

وثانيها أنه أراد تعالى المبالغة فى وصف القوم بصغر القدر، وسقوط المنزلة؛ لأنّ العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك (٣) قالت: كسفت الشمس لفقده، وأظلم القمر، وبكاء


(١) البيت لعروة بن الورد، وهو فى ملحقات ديوانه: ١٩٨، وهو فى شرح المقامات ٢: ١٩٢، والبيان ١: ٩٥، والعقد ١: ٢١٢، وفى حواشى الأصل، ت، ف: «قال مولانا الإمام: كان السيد رضى الله عنه وهم فى معنى هذا البيت. ومعنى البيت: أن الشاعر وصف إنسانا بكثرة العيوب؛ إلا أن ماله وغناه يستران عليه عيوبه، فكأنه قال: قليل عيبه، يعنى يقل ظهور عيبه مع كثرة عيوبه؛ إلا أن الغنى يسترها عليه؛ كأنه رب غفور ستار للعيوب. ومعنى البيت على ما يوافق استشهاد السيد رضى الله عنه أنه يمدح إنسانا ويقول:
قليل عيب هذا الممدوح مع كثرة العيب فى الناس؛ ولكن الغنى عما يجر المعايب هو غنى الله تعالى.
والأشبه بالبيت أن يكون هجوا؛ كأنه يهجو إنسانا ويقول: يرى عيبه قليلا مع كثرة العيوب فيه، والّذي يقلل عيبه غناه كأنه رب غفور، وأول القطعة:
ذرينى للغنى أسعى فإنّى ... رأيت النّاس شرّهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير
يباعده الندىّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير
وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل عيبه ....
(٢) ديوانه ١٥٧ وفى حاشيتى الأصل، ف: «العرب إنما تسمى الأعداء صهب السبال؛ لأن أعداءهم كانوا من الروم؛ والروم صهب الأسبلة، ثم اتسعوا فسموا كل عدو صهب السبال؛ وإن لم يكن من الروم، والقريب من هذا يصفون الأعداء بالزرق العيون».
(٣) ف، ت (من نسخة): «بالهلك».