للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد ذكر الرافعي في أوائل الهبة ما يشكل على هذه المسألة، فقال غرس أشجارًا وقال عند الغرس: أغرسه لابني لم يصر للابن ولو قال: جعلته لابني وهو صغير صار للابن، لأن هبته له لا تقتضي قبولًا بخلاف ما لو جعله لبائع، كذا قاله الشيخ أبو عاصم، وهو ملتفت إلى الانعقاد بالكنايات، وإلى أن هبة الأب لابنه الصغير يكفي فيها أحد الشقين هذا كلامه فلم يكتف بالغرس للابن واشترط اللفظين مع أن الابن أولى لأنه قادر على التمليك والقبول بخلاف المسجد، فإنه قادر على التمليك دون القبول، فظهر بذلك رجحان اشتراط اللفظ في مسألتنا نقلًا ومعنى على خلاف ما دل عليه كلامهما خصوصًا النووي، فإن تعبيره بقوله فإن جهلت نيته صريح في خلاف ما قلناه ولا وجه إلا ما ذكرناه، ولعلنا نزداد فيها إن شاء الله تعالى علمًا.

وأما قول الرافعي: ولا ينبغي أن يغرس الأشجار في المساجد فليس فيه ما يدل على أن ذلك محرم أو مكروه، وقد سبق بيانه في آخر شروط الصلاة فراجعه.

وقد بسط الغزالي هذه المسألة فقال: إن غرس لنفسه منع منه، والثمرة له وعليه قلعه والأجرة للمسجد، ويجوز الأكل منها بإذنه في حياته، فإن مات قبل أداء الأجرة تعلقت بالشجرة والثمرة، وصارا مرتهنين فلا يجوز الأكل بالإذن المتقدم وإن غرس للمسجد على أن يصرف الثمرة في مصالحه لم يجز إلا أن يكون المسجد واسعًا ويكون فيها فائدة الاستظلال بها ولم يكن فيه ما يجمع الطيور فتحبس المسجد فرخص فيه كما في السقيفة، وإن قصد أن يكون وقفًا على قوم لا تعلق لهم بالمسجد منع كما لو غرس لنفسه وإن قصد أن يكون وقفا على المجاورين والمصلين فهذا له تعلق بالمسجد فيحتمل جوازه، وإن لم يعرف قصده جعل كأنه غرسه لنفسه حتى يأتي فيه ما سبق من القلع وغيره ويباع ويرد ما فضل على أجرته إلى المالك أو وارثه، فإن لم

<<  <  ج: ص:  >  >>