للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[ثانيا: شيوخه وتلاميذه]

لقد اجتمع لأبي الفضل القشيري، عاملان رئيسان أثرا في مكانته العلمية؛ عامل الزمان، وعامل المكان، فقد عاش ـ رحمه الله ـ في أحد أزهى العصور من الناحية العلمية، وأكثرها نضجا وازدهارا من الناحية المعرفية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فقد كان مقامه بالعراق بلاد الرافدين، حيث حاضرة الإسلام، وعاصمة الثقافة والعلم، مدينة بغداد مدينة السلام، وصدق بكر بن عَيَّاش إذ يقول: " الإسلام ببغداد، وإنها لصيادة تصيد الرجال، ومن لم يرها لم ير الدنيا " (١).

فلا غَرْوَ ـ والحال هذه ـ أن تكون العراق منزل أهل العلم، وقبلة طلابه، وقد ظهر أثر هذا على عدد ممن سمع منهم، أو أخذوا عنه، يصور هذا ابن فرحون بقوله: " حدث عنه من لا يعد كثرة من: المصريين، والأندلسيين، والقرويين، وغيرهم".

[* أولا: شيوخه.]

سيكون من الصعب حصر من سمع منهم، وأخذ عنهم أبو الفضل، وهو في العراق حاضرة الدولة الإسلامية، يَرِدُها من لا يحصى كثرة من العلماء، وقد نَصَّت المصادر على عَدَدٍ ممن لقيهم وأخذ عنهم، وفي كتابه: أحكام القرآن، ذكر عددا ممن روى عنهم وسمع منهم، وسأقتصر على من له رواية في هذا الكتاب، مكتفيا بطرف يسير من ترجمتهم:

" القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد.

سيأتي في الفصل الثاني (٢) حديث أبسط من هذا عن القاضي إسماعيل، باعتباره مؤلف كتاب أحكام القرآن الأصل، الذي اختصره أبو الفضل القشيري في هذا الكتاب محل البحث، وإنما الذي له تعلق بهذا الجزء من الدراسة هو: هل صح سماع أبي الفضل القشيري من القاضي إسماعيل، أم لا؟ فقد نقل القاضي عياض عن الفرغاني وغيره، أن أبا الفضل: " لم يدرك إسماعيل، ولا سمع منه، وقد حدث بكر عن إسماعيل في كتبه بالإجازة " (٣)، ولم يستبعد ـ رحمه الله ـ احتمال أن يكون قد سمع من القاضي إسماعيل، وهذا هو الظاهر، وذلك لأمرين:

الأول: أن أبا الفضل قد أدرك القاضي إسماعيل، في وقت يجوز سماعه منه، فقد توفي القاضي إسماعيل في عام ٢٨٢ هـ وولد أبو الفضل في عام ٢٦٤ هـ، أي أنه كان وقت ذاك في أواخر العقد الثاني، وهذا المعنى أشار إليه القاضي عياض، وتبعه ابن فرحون حيث قالا: " ولا يبعد سماعه من إسماعيل، إذ قد أدركه بالسن كما تراه، في وفاته وسنه" (٤).

الثاني: أن أبا الفضل صرح بسماعه من القاضي إسماعيل، في كتابه أحكام القرآن في أربعة مواضع (٥)، فقال مرة: أخبرنا (٦)، وقال في أخرى: أخبرناه (٧).


(١) تاريخ بغداد (١/ ٤٧) ..
(٢) ينظر من هذه الرسالة: ص ٨٢.
(٣) الديباج المذهب ص ١٠٠.
(٤) المرجع السابق.
(٥) يقتصر هذا الإحصاء على القدر الذي قمت بتحقيقه من الكتاب.
(٦) ذكر ذلك في المواضع الآتية:
١. في سورة النور عند الآية رقم (٣).
٢. في سورة النور عند الآية رقم (٣٢).
في سورة الجن رقم (٩).
(٧) ذكر ذلك في موضع واحد في سورة النور عند الآية رقم (٦).

<<  <   >  >>