للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المطلب السادس: منهجه في عرض المسائل الفقهية.]

هذه المطلب هو مقصد الكتاب الأول، والأساس المتين له، وهو الذي اتجهت له همة المؤلف ابتداء، وانعقدت عليه نيته، وهو المطلب الذي استغرق أكثر الكتاب وأوفى، والكلام عنه كلام عن الكتاب كله، ونظر في آياته جميعها، ولذا فاستشراف معالم منهجه غير يسير، ولا سيما مع إمام جمع علم الحديث والفقه، ناظر فيهما وجادل، يستصحب أدوات الاجتهاد، ووسائل النظر والجدل، في تقوية مذهبه، ودفع قول المخالف.

ويمكن تقسيم البحث في منهجه المتعلق بالمسائل الفقهية إلى الفقرات الآتية:

الفقرة الأولى: طريقته في عرض المسائل الفقهية.

الفقرة الثانية: منهجه في الاستدلال والمناقشة.

الفقرة الثالثة: منهجه في الاختيار والترجيح.

· الفقرة الأولى: طريقته في عرض المسائل الفقهية.

لتوضيح طريقة المؤلف في عرض المسائل الفقهية، أذكر النقاط الآتية:

أولا: لم يطرد منهج المؤلف في عرض المسائل الفقهية، إلا أنه في غالب أمره يبدأ بذكر كلام السلف عن معنى الآية، وخلافهم فيها، ثم يبدأ فيعرج على الخلاف الذي وقع بين الفقهاء من بعدهم.

وعلى نحو قليل ربما قرر المسألة، وبين الراجح فيها أولا، ثم عرج على الخلاف ثانيا، وقد يبتدئ بذكر الخلاف في المسألة مباشرة، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} (١) حيث قال بعد رسم الآية مباشرة: " قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته، واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد، فغلطوا من حيث لا يشكل" (٢).

ثانيا: أما الخلاف الذي يذكره المؤلف في كتابه، فقد كان على ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: الخلاف في طبقة الصحابة والتابعين لهم، فهؤلاء كانت لهم الصدارة والتقدمة في معظم الحين، مع العناية بخلافهم ـ على ما تقدم بسطه في المطلب الثالث.

الطبقة الثانية: الخلاف في طبقة فقهاء المذاهب المشهورة ومن في عصرهم، فذكر خلاف أبي حنيفة والشافعي، ولم يذكر خلاف الإمام أحمد، على طريقة بعض الفقهاء في ذكر الإمام أحمد في عِداد المحدثين، وفضلا عن هؤلاء فقد تكلم عن بعض من عاصرهم كالثوري، وابن عيينة، وجعفر الصادق، ممن لم يكونوا اتباعا لتلك المذاهب المشهورة.

وأخذ خلاف الشافعي وأبي حنيفة أكثر كلام المؤلف في الخلاف، ما بين تقرير قول مالك والاستدلال له، ورد قولهما والجواب عنه.

الطبقة الثالثة: من جاء بعدهم، إلى زمن المؤلف، ويشمل الكلام عن أتباع المذاهب، ويشمل أيضا الكلام مع إمام أهل الظاهر داود الأصفهاني.

ثالثا: يدل كتاب أحكام القرآن على معرفة المؤلف بمذاهب أهل العلم، واطلاعه على خلافهم، دَلَّ على هذا؛ كثرة الآثار التي يرويها عنهم، على أنه مع هذا الاطلاع الواسع


(١) سورة النور (٤، ٥).
(٢) ينظر من هذه الرسالة: سورة النور الآية رقم (٤).

<<  <   >  >>