للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقتضيان أن لفظة ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فى الآية تقتضى الذم، لأنها بإزاء المقتصد.

على أنه غير ممتنع أن تكون لفظة «ظلم» بخلاف لفظة ظالم فى عرف الاستعمال، كما أن عند مخالفنا أن لفظة «آمن» بخلاف لفظة «مؤمن»، لأنهم يصفون صاحب الكبيرة بأنه آمن ولا يسمّونه بأنه مؤمن، ويزعمون أن الانتقال عن الاشتقاق إلى إفادة استحقاق الثواب إنما هو فى مؤمن دون آمن، فلا ينبغى أن ينكروا مثل ذلك فى ظلم

وظالم.

وتأول قوم هذه الآية على أنّ المراد من اختاره الله تعالى للتكليف، وتوريث الكتاب من العقلاء البالغين، ثم قسّمهم الأقسام التى تليق بهم، من غير أن يكون المراد بالآية الأنبياء عليهم السلام.

وهذا الجواب يفسد، لأن الله تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، ومن اصطفاه الله واختاره واجتباه بالإطلاق لا يكون إلا ممدوحا معظّما، فكيف يكون فيهم من يستحق الذم والعقاب؟ ومن يختار الله تكليفه شيئا مخصوصا لا يقال بالإطلاق إن الله تعالى اصطفاه. والمعتزلة أبدا تنكر على المرجئة تأويلهم قوله تعالى:

وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى؛ [الأنبياء: ٢٨]، على أن المراد من ارتضى الشفاعة فيه، ويقولون: من ارتضى شيئا يتعلق به لا يوصف بأنه مرتضى على الإطلاق، فكيف يثبتونه هاهنا.

ووجدت أبا قاسم البلخىّ يقول فى كتابه تفسير القرآن: " إنه تعالى أراد العقلاء البالغين ويجوز أن يكونوا عند الاصطفاء أخيارا أتقياء ثم ظلم بعضهم نفسه؛ فيكون كما قال تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ؛ [المائدة: ٥٤]؛ وهو فى وقت الارتداد غير مؤمن. كذلك يكون فى حال ظلمه نفسه ليس من المصطفين". قال: " ويجوز أيضا أن يكون فيهم من ظلم نفسه ثم تاب وأصلح؛ ويكون قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، أى منهم من كان قد ظلم نفسه؛ ليس أنه فى هذا الوقت ظالم لها".

هذه ألفاظه بعينها حكيناها عنه؛ وهذا فاسد؛ لأن من كان منهم ظالما فاعلا للقبيح