للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإنّى لاستغنى فما أبطر الغنى، ... وأبذل ميسورى لمن يبتغى قرضى (١)

وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتى ... وأدرك ميسور الغنى ومعى عرضى

ولا يليق ذلك إلا بما ذكرناه.

قال سيدنا أدام الله تأييده: وجدت أبا بكر بن الأنبارىّ قد ردّ على ابن قتيبة قوله هذا وطعن على ما احتج به، فقال فى

الحديث المروىّ عنه عليه السلام فى وصف أهل الجنة: إن المراد بالأعراض مغابن (٢) الجسد.

وحكى عن الأموىّ أنه قال: الأعراض المغابن التى تعرق من الجسد؛ نحو الإبطين وغيرهما، وقال فى حديث أبى الدرداء: معناه: من عابك/، وذكر أسلافك، فلا تجازه؛ ليكون الله تعالى هو المثيب لك.

وقال فى قول أبى ضمضم: معناه أنه أحلّ من أوصل إليه أذى بذكره وذكر آبائه فلم يحلّ إلا من أمر إليه.

وقال فى قول حسان: المراد بعرضه أيضا أسلافه؛ كأنه قال: إن أبى ووالده وجميع أسلافى الذين أمدح وأذمّ من جهتهم وقاء له عليه السلام، فأتى بالعموم بعد الخصوص؛ كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ؛ [الحجر: ٨٧]، فأتى بالعموم بعد الخصوص؛ ولم أجده ذكر فى خبر سفيان بن عيينة شيئا؛ وتأويله يقرب من تأويل خبر أبى ضمضم، لأنّ من آذى رجلا بسبّه فى نفسه، أو سبّ سلفه وأدخل عليه بذلك وضعا ونقصا لم يكن إلى ورثته بعد موته الإحلال من ذلك، لأن الأذى لم يدخل عليهم، ولو كان داخلا عليهم أيضا مع دخوله على المسبوب لكان إحلالهم مما يرجع إلى غيرهم لا يصحّ؛ على أن فى الإحلال من الضرر وسقوط العوض المستحق عليه، وهل يسقط بإسقاط مستحقه أم لا؟ فيه كلام ليس هذا موضعه، وقد ذكرناه فى مواضع.


فلما سمع الحجاج هذا البيت فضله على الشعراء بجائزة ألف درهم فى كل مرة يعطيهم.
(١) أبطر الغنى، أى أبطر فى الغنى حتى أذهب عن سنن الشكر. وأعرض ميسورى؛ يريد يسرى؛ وضع اسم المفعول موضع المصدر.
(٢) المغابن: معاطف الجلد؛ جمع مغبن.