للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

انسحابهم من الأندلس إلى الساحل الأفريقي، كما لا يبقى مسوِّغ لإحراق تلك السفن.

كما أن طارقاً ومن معه من مجاهدين، جاءوا إلى الأندلس، للجهاد من أجل عقيدة، وكانوا مستعدين للشهادة من أجل عقيدتهم، فلا مسوِّغ لإحراق السفن من أجل وضعهم وجهاً لوجه أمام الدّفاع عن أرواحهم، فما كانوا بحاجة إلى من يضعهم هذا الموضع الحرج، لأن أرواحهم لم تكن في حال من الأحوال أغلى عليهم من عقيدتهم، وما أنجزوه قبل عبورهم إلى الأندلس وبعد عبورهم إليها خير دليل على استقتالهم من أجل قلوبهم لا من أجل جيوبهم، ومن أجل عقيدتهم لا من أجل أرواحهم.

والواقع أن الإقدام على حرق سفن العبور، يصعب تصديقه ويصعب مجرد التصور أن طارقاً يمكن أن يفعله، فإذا كانت تلك السفن لُيليان، كما هو معروف، فليس من حق طارق إحراقها، وإذا كانت للمسلمين فليس حرقها عملاً عسكرياً سليماً، إذ يخالف مبدأ الاقتصاد بالقوة، أحد مبادئ الحرب المهمة، ولا يتفق مع المنطق والعقل.

لذلك لم تُشر المصادر الأندلسية العربية الأولى، إلى قصة إحراق السفن، والمصادر التي ذكرت تلك القصة نقلتها عن الشريف الإدريسي وكذلك المراجع (١)، ومنها المصادر والمراجع النصرانية، وبخاصة المصادر الإسبانية والمراجع، وقد تأثر بتلك القصة قسم من قادة الأسبان، فقلّدوا تلك القصة عملياً في قسم من عملياتهم العسكرية (٢).


(١) صفة الأندلس (من نزهة المشتاق) للإدريسي (١٧٧) وتاريخ الأندلس (٤٦) والروض المعطار (٧٥) ونفح الطيب (١/ ٢٥٨) والحلل السندسية (١/ ٨٢)، وانظر: دولة الإسلام في الأندلس (٤٨ - ٤٩).
(٢) يقدم لنا تاريخ إسبانيا الحديث مثلاً للمحتلّ الذي حرق سفنه التي عبر عليها جيشه، لكي يقطع على جنده كلّ تفكير في الانسحاب والرّجعة. فقد أحرق القائد المكتشف الإسباني هرناندو كورتيث الذي احتلّ المكسيك سفنه، حينما أشرف على شواطئ المكسيك مستكشفاً فاتحاً في سنة ١٥١٩ م، تلك السّفن التي حملت جيشه من أسبانيا =

<<  <  ج: ص:  >  >>