للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التوكل، وعلمت الحالة التي تسمى توكلاً، فاعلم أن تلك الحالة لها في القوة والضعف ثلاث درجات:

الأولى: ما ذكرناه، وهو أن يكون حاله في حق الله تعالى الثقة بكفالته وعنايته، كحاله في الثقة بالوكيل.

الدرجة الثانية: وهى أقوى، أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى سواها، ولا يعتمد إلا إياها، وإن نابه أمر كان أول خاطر يخطر على قلبه، وأول سابق إلى لسانه: يا أماه. فمن كان تألهه إلى الله، ونظره إليه، واعتماده عليه، كلف به كما يكلف الصبي بأمه، فيكون متوكلاً حقاً.

والفرق بين هذا وبين الأول، أن هذا متوكل قد فني في توكله عن توكله، إذا لا يلتفت إلى غير المتوكل عليه، ولا مجال في قلبه لغيره.

وأما الأول، فهو متوكل بالتكليف والكسب، وليس فانيا عن توكله، بل له التفات إليه، وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده.

الدرجة الثالثة: وهى أعلى منهما، أن يكون بين يدي الله تعالى مثل الميت بين يدي الغاسل، لا يفارقه إلا أنه لا يرى نفسه ميتاً، وهذا يفارق حال الصبي مع أمه فإنه يفزع إلى أمه، ويصيح ويتعلق بذيلها.

وهذه الأحوال توجد في الخلق، إلا أن الدوام يبعد، ولاسيما المقام الثالث.

[٢ ـ فصل في بيان أعمال المتوكلين]

قد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة، وكلحم على وضم (١)،وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع.

والشرع قد أثنى على المتوكلين، وإنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه إلى مقاصده، وسعى العبد إما أن يكون لجلب نفع مفقود كالكسب، أو حفظ موجود


(١) الوضم: كل شئ يجعل عليه اللحم من خشب أو بارية يوفى به من الأرض قال رشيد بن رميض العنزي:
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر الوضم

<<  <   >  >>