للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المرض يأتى فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيداً، ولو تفكر وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص، من صيف وشتاء وربيع وخريف وليل ونهار، ولا هو مقيد بسن مخصوص، من شاب وشيخ أو كهل أو غيره، لعظم ذلك عنده واستعد للموت.

[٢١ ـ فصل [في تفاوت الناس في طول الأمل]]

والناس متفاوتون في طول الأمل تفاوتاً كثيراً، منهم من يأمل البقاء إلى زمان الهرم، ومنهم من لا ينقطع أمله بحال، ومنهم من هو قصير الأمل، فروى عن أبى عثمان النهدى أنه قال: بلغت ثلاثين ومائه سنه، وما من شىء إلا قد عرفت فيه النقصان إلا أملى فإنه كما هو.

وحكى في قصر الأمل أن امرأة حبيب أبى محمد قالت: كان يقول لى- يعنى أبا محمد- إن مت اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني ويفعل كذا، واصنعي كذا وكذا، فقيل لها: أرى رؤيا؟ قالت: هكذا يقول كل يوم.

وعن إبراهيم بن سبط قال: قال لى أبو زرعة: لأقولن لك قولاً ما قلته لأحد سواك: ما خرجت من المسجد منذ عشرين سنه، فحدثتني نفسي أن أرجع إليه. وقيل لبعضهم: ألا تغسل قميصك؟ قال: الأمر أعجل من ذلك.

وعن محمد بن أبى توبة قال: أقام معروف الصلاة ثم قال لى: تقدم، فقلت: إنى إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها، فقال معروف: أنت تحدث نفسك أنك تصلى صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل.

فهذه أحوال الزهاد في قصر الأمل، وكلما قصر الأمل، جاد العمل، لأنه يقدر أن يموت اليوم، فستعد استعداد ميت، فإذا أمسى شكر الله تعالى على السلامة، وقدر أنه يمون تلك الليلة فيبادر إلى العمل.

وقد ورد الشرع بالحث على العمل والمبادرة إليه ففى "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ".

وعنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم

<<  <   >  >>