تَكُونَ أَرْضًا يَغْرِسُهَا، أَوْ عَرْصَةً يَبْنِيهَا: فَقَالَ مَالِكٌ: الْعَمَلُ الزَّائِدُ فِيهَا هُوَ فَوْتٌ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ شَرِيكَ الْغُرَمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ يُخَيَّرُ الْبَائِعُ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ قِيمَةَ مَا أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي فِي سِلْعَتِهِ وَيَأْخُذَهَا، أَوْ أَنْ يَأْخُذَ أَصْلَ السِّلْعَةِ وَيُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ فِي الزِّيَادَةِ يَكُونُ فَوْتًا مِمَّا لَا يَكُونُ فَوْتًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَنْصُوصٌ فِي كُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ.
وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا يَكُونُ الْغَرِيمُ بِهِ أَحَقَّ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، أَوْ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمَبِيعَةَ بِالدَّيْنِ تَنْقَسِمُ فِي التَّفْلِيسِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: عَرَضٌ يَتَعَيَّنُ، وَعَيْنٌ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَتَعَيَّنُ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَعَمَلٌ لَا يَتَعَيَّنُ.
فَأَمَّا الْعَرَضُ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ بَائِعِهِ لَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْمَوْتِ، وَالْفَلَسِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ وَهُوَ قَائِمٌ بِيَدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ، وَلَهُمْ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذُوا سِلْعَتَهُ بِالثَّمَنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُمْ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَأْخُذُونَهَا إِلَّا بِزِيَادَة يَحُطُّونَهَا عَنِ الْمُفْلِسِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ شَاءُوا كَانَ الثَّمَنُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَلْ يَكُونُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
وَأَمَّا الْعَيْنُ: فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا فِي الْمَوْتِ أَيْضًا، وَالْفَلَسُ مَا كَانَ بِيَدِهِ. وَاخْتُلِفَ إِذَا دَفَعَهُ إِلَى بَائِعِهِ فِيهِ فَفَلَّسَ أَوْ مَاتَ وَهُوَ قَائِمٌ بِيَدِهِ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ كَالْعُرُوضِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي تَعْيِينِ الْعَيْنِ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي لَا يَتَعَيَّنُ: فَإِنْ أَفْلَسَ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ عَمَلَ الْأَجِيرِ كَانَ الْأَجِيرُ أَحَقَّ بِمَا عَمِلَهُ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا، كَالسِّلْعَةِ إِذَا كَانَتْ بِيَدِ الْبَائِعِ فِي وَقْتِ الْفَلَسِ، وَإِنْ كَانَ فَلَسُهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْفَى عَمَلَ الْأَجِيرِ: فَالْأَجِيرُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ بِأُجْرَتِهِ الَّتِي شَارَطَهُ عَلَيْهَا فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِيَدِهِ السِّلْعَةُ الَّتِي اسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلِهَا، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِذَلِكَ فِي الْمَوْتِ، وَالْفَلَسِ جَمِيعًا; لِأَنَّهُ كَالرَّهْنِ بِيَدِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ بِعَمَلِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ أَخْرَجَهُ فَيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِي فَلَسِ مُكْتَرِي الدَّوَابِّ إِنِ اسْتَكْرَى أَحَقُّ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَتَاعِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ مُكْتَرِي السَّفِينَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ شَبَّهَهُ مَالِكٌ بِالرَّهْنِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِهِ أَنَّ الْبَائِعَ أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، وَأَحَقُّ بِسِلْعَتِهِ الْقَائِمَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ يَدِهِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي سِلْعَتِهِ إِذَا فَاتَتْ، وَعِنْدَمَا
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.ws/page/contribute