للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أنه ليس لأقل الاعتكاف زمان معين؛ لعدم ورود نص يقدِّر أقله، فتقديره بيوم أو أكثر تَحَكُّم لا دليل عليه.

وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:

أولا: أما قولهم لمّا كان الاعتكاف اسما لغويا شرعيا، وجاء الشرع في حديث عمر - رضي الله عنه - بتقدير يوم وليلة؛ كان ذلك هو أقله. فيجاب عنه من وجهين:

الأول: أن الحديث لم يأت بلفظ: "إني نذرت أن أعتكف يوما وليلة في الجاهلية"، وإنما هو اجتهاد من بعض العلماء في الجمع بين الروايتين، كابن بطال وغيره، † (١).

والصحيح أن من روى الحديث بلفظ (يوم)، فروايته شاذّة، كما رجحه الحافظ ابن حجر, والدليل رواية: «فاعتَكَفَ ليلةً»، فدل على أن عمر - رضي الله عنه - لم يزد على نذره شيئا (٢).

الثاني: وعلى التسليم بأن عمر - رضي الله عنه - كان قد نذر صيام يوم وليلة: فليس في الحديث ما يفيد تحديد أقل مدة الاعتكاف، بل ما في الحديث أن عمر - رضي الله عنه - كان قد نذر اعتكاف مدة معينة, فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوفاء بها.

وبما أنه لم يأت عن غير عمر - رضي الله عنه - أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أقل من ذلك، -حتى يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفض ذلك أو أجازه-، فيبقى على الأصل في الاعتكاف أنه: المُكث في المسجد بنية اللبث فيه، وبنية العبادة.

ثانيا: وأما قولهم: إن الصوم يشترط مع الاعتكاف، والصوم لا يكون إلا في يوم كامل؛ فكذلك الاعتكاف لا يكون إلا في يوم كامل، فيجاب عنه من وجهين:

الأول: أن الراجح أن الصيام ليس شرطا في صحة الاعتكاف كما مر معنا في المسألة السابقة (٣).

الثاني: وعلى التسليم بأن الصوم من شرطه فَضَعيف أيضا؛ لأن العبادة لا تكون مُقَدَّرَة بشرطها؛ ألا ترى أن الطهارة شَرطٌ في الصلاة، وتنقضي الصلاة وتبقى الطهارة (٤). والله أعلم.


(١) ينظر: شرح البخاري لابن بطال ٤/ ١٨٠، وفتح الباري ٤/ ٢٧٤.
(٢) ينظر: فتح الباري ٤/ ٢٧٤.
(٣) ينظر: صفحة ٦٢٦ وما بعدها.
(٤) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٣٥.

<<  <   >  >>