للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فمعارضة القياس أيضا للأثر، وذلك أنه ثبت: أن حَفصَة وعائشة وزينب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - استأذنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الاعتكاف في المسجد، فأذن لهن حين ضربْن أخبيتهن فيه. فكان هذا الأثر دليلا على جواز اعتكاف المرأة في المسجد. وأما القياس المعارض لهذا: فهو قياس الاعتكاف على الصلاة، وذلك: أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد، -على ما جاء في الخبر-، وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها أفضل" (١).

أدلة القول الأول: القائلين أنه لا يصحّ اعتكفها في مسجد بيتها, وأنه لا يصح إلا في المسجد كالرجل.

الدليل الأول: قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (٢).

وجه الاستدلال: أن المراد بالمساجد: المواضع التي بُنيت للصلاة فيها. وموضع صلاة المرأة في بيتها ليس بمسجد؛ لأنه لم يبن للصلاة فيه، فلا يَثبُت له أحكام المساجد الحقيقية.

قال ابن رجب: "وهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المُسَبَّلة، فلا يجب صيانتها عن: نجاسة، ولا جنابة، ولا حيض" (٣).

الدليل الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف معه بعض نسائه وهي (مُسْتَحاضَة) (٤) ترى الدم، فربما وضعت الطَسْت (٥) تحتها من الدم» (٦).

وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مَكَّن امرأته مِن أن تعتكف في المسجد وهي مستحاضة؛ إذ لا تفعل ذلك إلا بأمره، ولو كان الاعتكاف في البيت جائزا لما أمرها بالمسجد، ولَأَمرها بالبيت؛ فإنه أسهل وأيسر وأبعد عن تلويث المسجد بالنجاسة، وعن مشقة حمل الطست


(١) بداية المجتهد ٢/ ٧٧.
(٢) سورة البقرة: آية: ١٨٧.
(٣) ينظر: فتح الباري ٣/ ١٧٠.
(٤) المُسْتَحاضة: هي التي ترى الدَّم من قُبُلِها في زمان لا يعتبر من أيام الحيض والنفاس، يقال: اسْتُحِيضَتْ فهي مُسْتَحَاضَة. ينظر: التعريفات الفقهية ص ٢٠٤، النهاية ١/ ٤٦٩.
(٥) الطَسُّ والطَّسَّة والطِّسة والطَّست: إناء معروف. ينظر: شمس العلوم ٧/ ٤٠٤٠، الصحاح ٣/ ٩٤٣.
(٦) رواه البخاري ١/ ٦٩ رقم ٣٠٩, كتاب الحيض باب اعتكاف المستحاضة.

<<  <   >  >>