للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والاصطلام (١) في شهود القدر الجاري، ويقول أحدهم إنَّ مشاهدة العارف المنتهي في القربة لحكم الله -الّذي هو مشهد (٢) مشيئته العامة- لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة.

وقد يقول أحدهم: هذا العارف يكون الجمع (٣) في قلبه مشهودًا والفرق (٤) على لسانه موجودًا ومرادهم بالجمع شهود القدر.


= والمؤلِّف هنا يشير إلى القسم الثّاني وهو الفناء عن شهود ما سوى الله، وهو الّذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين، ويعدونه غاية، وأصل هذا الفناء الاستغراق في توحيد الربوبية وهو رؤية الله بخلق الأشياء، وملكها واختراعها، وأنّه ليس في الوجود قط إِلَّا ما شاءه وكونه. فيشهد ما اشتركت فيه المخلوقات من خلق الله إياها، ومشيئته لها، وقدرته عليها، وشمول قيوميته وربوبيته لها. ولا يشهد ما افترقت فيه من محبة الله لهذا وبغضه لهذا، وأمره بما أمر به، ونهيه عما نهى عنه، وموالاته لأوليائه ومعاداته لأعدائه.
انظر: مدارج السالكين لابن القيم ١/ ١٧٣ - ١٧٨، ولكن توحيد الربوبية لا يكفي في النجاة فضلًا عن أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم، فالغاية الّتي لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها هو توحيد الإلهية. انظر: طريق الهجرتين ص ٣٠.
(١) الاصطلام في عرف الصوفية هو: الوله الغالب على القلب، وهو قريب من الهيمان. وقيل: هو غلبات الحق الذي يجعل كلية العبد مغلوبة له بامتحان اللطف في نفي إرادته. انظر: اصطلاحات الصوفية للكاشي السمرقندي ص ٥، ومعجم مصطلحات الصوفية للحفني ص ١٧ حرف الألف.
(٢) (مشهد) سقطت من (ف).
(٣) الجمع في عرف الصوفية هو: شهود الأشياء بالله والتبري من الحول والقوة إِلَّا
بالله. التعريفات للجرجاني ص ٧٧ باب الجيم.
والصواب أن الجمع ينقسم إلى قسمين: الأوّل: الجمع ويراد به جمع الوجود وهو يزيل التفرقة بين الرب والعبد، والخالق والمخلوق، والقديم والحديث. وهذا جمع الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا أبطل الباطل. والثّاني: الجمع ويراد به الجمع بين إلإرادة والطلب على المراد المطلوب وحده، وهذا هو الجمع الصحيح. مدارج السالكين ٣/ ٤٤٥.
(٤) الفرق في عرف الصوفية هو: تكثر الواحد بظهيره في المراتب الّتي هي ظهور شؤون الذات الأحدية. وتلك الشؤون في الحقيقة اعتبارات محضة لا تحقيق لها إِلَّا عند بروز الواحد بصورها. التعريفات للجرجاني ص ٦٦ باب الفاء. =

<<  <   >  >>