للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْقَتْلِ غَالِبًا وَلَا يُعَدُّ مُهْلِكًا؛ وَيُنْدَبُ لِلْعَائِنِ أَنْ يَدْعُوَ بِالْبَرَكَةِ فَيَقُولَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ ". وَأَنْ يَقُولَ: " مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ".

قِيلَ: وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَيَأْمُرَهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ وَيَرْزُقَهُ مَا يَكْفِيهِ إنْ كَانَ فَقِيرًا، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ. الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ «أَنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَكْثَرَ قَوْمَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَمَاتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمْ مِائَةَ أَلْفٍ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ شَكَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اسْتَكْثَرْتَهُمْ فَعِنْتَهُمْ فَهَلَّا حَصَّنْتَهُمْ حِينَ اسْتَكْثَرْتَهُمْ فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُحَصِّنُهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: تَقُولُ: حَصَّنْتُكُمْ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا وَدَفَعْتُ عَنْكُمْ السُّوءَ بِأَلْفِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» . قَالَ الْقَاضِي: وَهَكَذَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ إذَا رَأَى نَفْسَهُ سَلِيمَةً وَأَحْوَالَهُ مُعْتَدِلَةً يَقُولُ: فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ، وَكَانَ الْقَاضِي يُحَصِّنُ تَلَامِذَتَهُ بِذَلِكَ إذَا اسْتَكْثَرَهُمْ، وَسَكَتُوا عَنْ الْقَتْلِ بِالْحَالِ. وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا قَتَلَ بِهِ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارًا كَالسَّاحِرِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ. قَالَ مِهْرَانُ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَكَذَبَ عَلَيْهِ فَقَالَ مُطَرِّفٌ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَمِتْهُ. فَخَرَّ مَيِّتًا فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى زِيَادٍ فَقَالَ: قَتَلْتَ الرَّجُلَ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهَا دَعْوَةٌ وَافَقَتْ أَجَلًا

ــ

[حاشية البجيرمي]

لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَتَتَخَلَّلُ الْمَسَامَّ فَيَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى الْهَلَاكَ عِنْدَهَا. وَمِنْ أَدْوِيَتِهَا الْمُجَرَّبَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَوَضَّأَ الْعَائِنُ أَيْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَرْفِقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَ إزَارِهِ أَيْ مَا يَلِي جَسَدَهُ مِنْ الْإِزَارِ، وَقَوْلُهُ: وَرُكْبَتَيْهِ، وَقِيلَ: مَذَاكِيرَهُ، وَيَصُبَّهُ عَلَى رَأْسِ الْمَعْيُونِ اهـ. وَأَوْجَبَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ: وَإِذَا طُلِبَ مِنْ الْعَائِنِ فِعْلُ ذَلِكَ لَزِمَهُ لِخَبَرِ: «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» اهـ. شَرْحُ الْمِنْهَاجِ لحج قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الذَّكَرُ الْفَرْجُ مِنْ الْحَيَوَانِ جَمْعُهُ ذِكَرَةٌ مِثْلُ عِنَبَةٍ وَمَذَاكِيرُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.

قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ لِلْعَائِنِ) أَيْ الَّذِي يُصِيبُ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ مَا ذُكِرَ لَمْ تَضُرَّ عَيْنُهُ شَيْئًا. قَوْلُهُ: (قِيلَ) ذِكْرُهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ السُّنَّةُ لَهُ ذَلِكَ قَالَ زي وَالرَّمْلِيُّ: يُنْدَبُ لِلْحَاكِمِ حَبْسُ مَنْ فِيهِ مَا يُؤْذِي بِهِ النَّاسَ كَأَجْذَمَ وَمِعْيَانٍ وَلَوْ أَبَدًا بَلْ إنْ رَأَى قَلْعَ عَيْنِهِ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَنْ يُفْتَتَنُ بِهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ قَوْلُهُ: (فَعِنْتَهُمْ) أَيْ أَصَبْتَهُمْ بِالْعَيْنِ وَهَذَا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ لِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ، بِأَنَّ مَعْنَى فَعِنْتَهُمْ أَيْ لَمْ تُحَصِّنْهُمْ بِذِكْرِي وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ لَا يَذْكُرَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْحَسَدِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ بِأَنْ يُقَالَ: فَعِنْتَهُمْ أَيْ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّ الْحِكَايَاتِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَا يَقَعُ فِيهَا لِلتَّسَاهُلِ فِيهَا بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ عَدَّ الشَّيْءِ كَثِيرًا لَيْسَ إعَانَةً فَقَوْلُهُ تَعَالَى عِنْتَهُمْ مَعْنَاهُ فَعَلْتَ مَعَهُمْ فِعْلَ الْعَائِنِ.

فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي كُتُبِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ، فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ وَرَقَاتِ سِدْرٍ أَخْضَرَ، فَيَدُقُّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ يَضْرِبُهُ بِالْمَاءِ وَيَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَذَوَاتَ " قُلْ "، ثُمَّ يَحْسُو مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِهِ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ عَنْهُ مَا كَانَ بِهِ وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ الْمَحْبُوسِ عَنْ أَهْلِهِ. قَوْلُهُ: (يَقُولُهُ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ) أَيْ يَقُولُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ قَوْلًا نَفْسِيًّا. اهـ. شَيْخُنَا.

قَوْلُهُ: (وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ) مُعْتَمَدٌ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ لَكِنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (ابْنَ الشِّخِّيرِ) كَانَ مِنْ الْأَبْدَالِ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ مَرْحُومِيٌّ.

قَوْلُهُ: (إلَى زِيَادٍ) كَانَ أَمِيرًا مِنْ جِهَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ كَانَ قَاضِيًا اهـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>