للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: ١٤١]

وَتَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ جَائِرًا فِيمَا يَجُوزُ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ لِخَبَرِ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الْأَطْرَافِ» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نَصْبِهِ اتِّحَادُ الْكَلِمَةِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِوُجُوبِ الطَّاعَةِ.

فَصْلٌ: فِي الرِّدَّةِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا هِيَ لُغَةً الرُّجُوعُ عَنْ الشَّيْءِ إلَى غَيْرِهِ وَهِيَ مِنْ أَفْحَشِ الْكُفْرِ وَأَغْلَظِهِ حُكْمًا مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ وَإِلَّا حَبِطَ ثَوَابُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.

وَشَرْعًا قَطْعُ مَنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ اسْتِمْرَارَ الْإِسْلَامِ وَيَحْصُلُ قَطْعُهُ بِأُمُورٍ بِنِيَّةِ كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ مُكَفِّرٍ أَوْ قَوْلٍ مُكَفِّرٍ سَوَاءٌ أَقَالَهُ اسْتِهْزَاءً أَمْ اعْتِقَادًا أَمْ عِنَادًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: ٦٥] {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: ٦٦]

ــ

[حاشية البجيرمي]

حَيَاتِهِ عَلَى وَاحِدٍ لَكِنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الْأَطْرَفِ) الْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ أَوْ تَقُولُ هِيَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ وَالْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الشَّخْصُ فَهُوَ الْحُرُّ ق ل الْأَوْلَى إبْقَاءُ الْعَبْدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْجَدْعُ قَطْعُ الْأَنْفِ وَقَطْعُ الْأُذُنِ أَيْضًا وَقَطْعُ الْيَدِ وَالشَّفَةِ وَهُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَرْحُومِيٌّ

[فَصْلٌ فِي الرِّدَّةِ]

ِ هَذَا شُرُوعٌ فِي الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَهْلُ الرِّدَّةِ، وَوُجُوبُ قِتَالِهِمْ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَاتَلَ أَهْلَ الْيَمَامَةِ لَمَّا ارْتَدُّوا بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ هَهُنَا؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى الدِّينِ. وَمَا تَقَدَّمَ جِنَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ وَأَخَّرَهَا لِكَثْرَةِ وُقُوعِ مَا قَبْلَهَا. وَكَانَ حَدُّهَا الْقَتْلَ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي قَطْعِ آلَتِهَا؛ لِأَنَّهَا اعْتِقَادٌ يُخْشَى دَوَامُهُ وَهِيَ أَفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، أَوْ هِيَ مِنْهُ وَهِيَ أَفْحَشُ مِنْهُ. وَيَلِيهَا الْقَتْلُ ظُلْمًا ثُمَّ الزِّنَا ثُمَّ الْقَذْفُ ثُمَّ السَّرِقَةُ وَهَذِهِ الْكُلِّيَّاتُ الْخَمْسُ الْمَشْرُوعَةُ حُدُودُهَا لِحِفْظِ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالنَّسَبِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ وَأَخَّرَ الرِّدَّةَ عَنْ الْقَتْلِ مَعَ أَنَّهَا أَفْحَشُ مِنْهُ، كَمَا مَرَّ لِعُمُومِهِ وَكَثْرَتِهِ وَحُصُولِهِ مِمَّنْ لَا تُوجَدُ الرِّدَّةُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ لُغَةً الرُّجُوعُ) وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ كَمَانِعِي الزَّكَاةِ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ شَرْحُ م ر.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَفْحَشِ الْكُفْرِ) الْأَوْلَى حَذْفُ مِنْ؛ لِأَنَّهُ لَا أَغْلَظَ إلَّا هِيَ وَوَجْهُ غِلَظِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ وَلَا يُؤْمِنُ وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَلَا مُنَاكَحَتُهُ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فِي ذَلِكَ وَعِبَارَةُ م ر. وَهِيَ أَفْحَشُ الْكُفْرِ وَهِيَ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ) فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا وَعِبَارَةُ ق ل. وَاعْلَمْ أَنَّهَا تُحْبِطُ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ. وَكَذَا الْعَمَلُ إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ إجْمَاعًا فِيهِمَا وَإِلَّا فَلَا تُحْبِطُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ نَحْوِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ كَانَ فَعَلَهُ قَبْلَهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ تُحْبِطُ الْعَمَلَ أَيْضًا وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: ٦٥] . وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْعَمَلَ الَّذِي تُحْبِطُهُ الرِّدَّةُ بِمَا وَقَعَ حَالَ التَّكْلِيفِ لَا مَا قَبْلَهُ فَرَاجِعْهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ) بِأَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا لَا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا وَمُكْرَهًا. وَدَخَلَ فِيهِ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِ الطَّلَاقِ إلَيْهَا وَتُطَلِّقُ غَيْرَهَا بِالْوَكَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلرِّدَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَمَّا وَلَدُ الْمُرْتَدِّ الَّذِي انْعَقَدَ فِي الرِّدَّةِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ حُكْمًا لِعَدَمِ قَطْعِ الْإِسْلَامِ مِنْهُ. وَكَذَا الْمُنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إلَى دِينٍ فَحُكْمُهُ كَالْمُرْتَدِّ وَلَمْ يَقْطَعْ إسْلَامًا وَكَذَا الزِّنْدِيقُ فَإِنَّهُ وَإِنْ قَطَعَ الْإِسْلَامَ ظَاهِرًا لَا يُسَمَّى مُرْتَدًّا حَقِيقَةً لِعَدَمِ إسْلَامٍ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْطَعَهُ فَرِدَّتُهُ حُكْمِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (اسْتِمْرَارِ) مَعْمُولٌ لِقَطْعِ وَبِتَقْدِيرِ اسْتِمْرَارٍ انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ قَطْعُهُ. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ) هِيَ الْعَزْمُ عَلَى الْكُفْرِ الْآتِي فِي كَلَامِهِ. بِأَنْ نَوَى أَنْ يَكْفُرَ فِي الْحَالِ أَوْ أَنْ يَكْفُرَ فِي غَدٍ فَيَكْفُرُ حَالًا؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ إسْلَامٍ شَرْطٌ فَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ كَفَرَ حَالًّا وَلَوْ عَزَمَ الشَّخْصُ

<<  <  ج: ص:  >  >>