للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عبد العزيز نَقْل المسلمين من الأندلس، وإخراجهم عنها، لانقطاعهم عن المسلمين واتِّصالهم بأعدائهم، فقيل له: "إنّ الناس قد كثروا بها، وانتشروا في أقطارها، فأَضْرَب عن ذلك! " فقدم السَّمح الأندلس، وامتثل ما أمره به عمر رضي الله عنه، من القيام بالحقّ، واتِّباع العدل والصدق، فانفرد السَّمح بولايتها، وعزلها عمر عن ولاية إفريقيَّة، اعتناءً بأهلها وَتَهمُّماً بشأنها.

وكان المسلمون إذ فتحو قُرْطُبَة، وجدوا فيها آثار قنطرة فوق نهرها، على حنايا وثائق الأركان من تأسيس الأمم الغابرة، قد هدمها مدود النهر على مرّ الأزمان، فلمّا اتّصل خبرها بعمر بن عبد العزيز، أمر السَّمح بابتنائها، فصُنعت على أتمّ وأعظم مما بُنِيَ عليه جسر، من حجارة سور المدينة.

وفي سنة إحدى ومائة الهجرية، ورد كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على السَّمح بالأندلس، يأمره ببناء القنطرة بصخر السُّور، وبناء السور باللّبن، ويأمره بإخراج خمس قرطبة، فخرج من الخمس البطحاء المعروفة بالرَّبَض، فأمر عمر أن يتّخذ بها مقبرة للمسلمين، فتمّ ذلك (١).

وكانت قنطرة قرطبة من بنيان الأعاجم قبل فتوح المسلمين بنحو مائتي سنة، ولكن الزمن أثّر فيها حتى سقطت حناياها، ومحيت أعاليها، وبقيت أرجلها وأسافلها، وعليها بنى السَّمح قنطرته الجديدة، وهي إحدى عجائب الدنيا، طولها ثمانمائة ذراع، وعرضها عشرون باعاً، وارتفاعها ستون ذراعاً، وعدد حناياها ثماني عشرة حَنِيَّة، وعدد أبراجها تسعة عشر برجاً (٢). ومن الواضح أن تنفيذ خطة تجديد بناء هذه القنطرة، دليل على كفاية السَّمح الإداريّة والتنفيذيّة أيضاً.

لقد كان عمر بن عبد العزيز، يفكِّر في إقفال المسلمين من الأندلس، إذ خشي تغلب العدو ................................................


(١) البيان المغرب (٢/ ٢٦) وانظر ابن الأثير (٥/ ٤٨٩) وابن خلدون (٤/ ٢٥٧) ونفح الطيب (١/ ٢٣٥ و ٣٣٨ و ٤٨٠) و (٣/ ١٥).
(٢) نفح الطيب (١/ ٤٨٠) نقلاً عن مناهج الفكر.

<<  <  ج: ص:  >  >>