للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والسادة الذين يعمل المسلمون في ضياعم. ولكن هذه السياسة المعتدلة لم تدم سوى بضعة أعوام، وعادت العناصر الرجعية في البلاط وفي الكنيسة، فغلبت كلمتها؛ وصدر مرسوم جديد في (١٢ آذار - مارس سنة ١٥٢٤ م) يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه، وإخراج كل من أبى النصرانية من إسبانيا، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تقلب جميع المساجد الباقية إلى كنائس.

عندئذ استغاث المسلمون بالإمبراطور، والتمسوا عدله وحمايته، على يد وفد منهم بعثوه إلى مدريد، ليشرح للمليك ظلامتهم وآلامهم (سنة ١٥٢٦ م)، فندب الإمبراطور محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق، برئاسة المحقق العام لتنظر في ظلامة المسلمين، ولتقرر ما إذا كان التنصير الذي وقع على المسلمين بالإكراه، يعتبر صحيحاً ملزماً، بمعنى يحتم عقاب المخالف بالموت أم يطبق عليهم القرار الجديد كمسلمين. وقد أصدرت المحكمة قرارها بعد مناقشات طويلة، بأن التنصير الذي وقع على المسلمين صحيح لا تشوبه شائبة، لأنهم سارعوا بقبوله اتقاء ما هو شرّ منه، فكانوا في ذلك أحراراً في قبوله. ويعلق المؤرخ الغربي النصراني على ذلك القرار بقوله: "وهكذا اعتبر التنصير الذي فرضه القوي على الضعيف، والظافر على المغلوب، والسيد على العبد، منشئاً لصفة لا يمكن لإرادة معارضة أن تزيلها" (١). وعلى أثر ذلك صدر أمر ملكي بأن يرغم سائر المسلمين الذين نصروا كرهاً، على البقاء في إسبانيا، باعتبارهم نصارى، وأن ينصر كل أولادهم، فإذا ارتدوا عن النصرانية، قضى عليهم بالموت والمصادرة، وقضى الأمر في الوقت نفسه أن تحول جميع المساجد الباقية في الحال إلى كنائس. فكان لهذه القرارات لدى المسلمين أسوأ وقع، وما لبثت الثورة أن نشبت في معظم الأنحاء التي يقطنها المسلمون، في أحواز


(١) راجع تاريخ De Marles الذي وضعه بالاقتباس من تاريخ كوندي: Domination des Arabes en Espagne; V.١١١. P. ٣٨٩ Hist.de la

<<  <  ج: ص:  >  >>