للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وردَّ عليه شيخ الإسلام فقال: "وأمَّا التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه الحق لنفسه واستحقه بقدره ... إلى آخر كلامه (١) وقد تقدَّم حكايته فهؤلاء هم الذين أنكر عليهم أئمة الطريق كالجنيد وغيره، حيث لم يفرِّقوا بين القديم والمحدث، وحقيقة قول هؤلاء: الاتحاد والحلول الخاص من جنس قول النصارى في المسيح، وهو أن يكون الموحِّد هو الموحَّد ولا يوحِّد الله إلا الله، وكل من جعل غير الله - عز وجل - يوحِّد فهو جاحد عندهم ... وحقيقة الأمر: أنَّ كلَّ من تكلَّم بالتوحيد أو تصوره وهو يشهد غير الله فليس بموحِّد عندهم، وإذا غاب وفني عن نفسه بالكلية فتمَّ له مقام توحيد الفناء الذي يجذبه إلى توحيد أرباب الجمع، صار الحق هو الناطق المتكلِّم بالتوحيد، وكان هو الموحِّد، وهو الموحَّد، لا موحَّد غيره.

وحقيقة هذا القول لا يكون إلا بأن يصير الرَّبُّ والعبد شيئًا واحدًا، وهو الاتحاد فيتحد اللاهوت والناسوت، كما يقول النصارى: إنَّ المتكلِّم بما كان يسمع من المسيح هو الله، وعندهم أنَّ الذين سمعوا منه هم رُسل الله، وهم عندهم أفضل من إبراهيم وموسى - عليهما السلام -.

ولهذا تكلَّم بلفظ اللاهوت والناسوت طائفة من الشيوخ الذين وقعوا في الاتحاد والحلول مطلقًا ومعيَّنًا، فكانوا ينشدون قصيدة ابن الفارض، ويتحلَّون بما فيها من تحقيق الاتحاد العام، ويرون كلَّ ما في الوجود هو مجلي ومظهر ظهر فيه عين الحق، وإذا رأى أحدهم منظرًا حسنًا أنشد:

يتجلَّى في كلِّ طرفةِ عينٍ ... بلباسٍ من الجَمَالِ جديدِ" (٢)


(١) يقصد الهروي.
(٢) منهاج السُّنَّة النبوية ٥/ ٣٧٠، ٣٧٢.

<<  <   >  >>