للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عمَّا يقول علوًا كبيرًا-، فهو يبيِّن أنَّ من وقف مع هذه الكرامات الحسيَّة فهو محجوبٌ عن رؤية النُّور الأصلي، فالكرامة عنده هي الرُّسوخ والتمكين في معرفة الله، أي زوال الحجاب (١).

فهو يرى مشاهدة الحق أعظم كرامة، فيقول في موضع آخر: "وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقًّا ووجود السوي محالًا ضروريًّا" (٢).

ولا ريب أن ما عناه هنا هي وحدة الوجود، فالذي لا يشهد السوي مطلقًا هو قول الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وهؤلاء قد يبلغ بهم الأمر إلى أن يروا أنَّ شهود الذات مجردة عين الصفات هو أعلى مقامات الشهود، وهذا من جهلهم؛ فإنَّ الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها في الخارج، وليس ذاك رب العالمين، ولكنَّهم في أنفسهم جردوها عن الصفات وشهدوا مجرد الذات كما يشهد الإنسان تارة علم الرب وتارة قدرته، فهؤلاء شهدوا مجرد ذات مجردة، فهذا في غاية النقص في معرفة الله والإيمان به فكيف يكون هذا غاية؟ ومنهم من ينظر هذا شرطًا في السُّلوك وليس كذلك بل السابقون الأولون أكمل الناس ولم يكن مثل هذا يخطر بقلوبهم ولو ذكره أحد عندهم لذمُّوه وعابوه (٣).


(١) ينظر: الفهرسة، ص ٧٢، شرح نونية الششتري، ص ٢٣.
(٢) البحر المديد ٣/ ٢٣٤.
(٣) ينظر: الرد على المنطقيين ١/ ٥١٨.

<<  <   >  >>