للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بذلك مقدَّم على سائر العلوم الضرورية فمن جعل العقليات تفيد اليقين والسمعيات لا تفيد معرفة مراد المتكلم فقد قلب الحقائق وناقض الفطرة (١).

٤ - أنَّ التعريف بالأدلة اللفظية أصلٌ للتعريف بالأدلة العقلية فمن لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول هذه لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول تلك بل العلم بمدلول الأدلة اللفظية أسبق فإنه يوجد في أول تمييز الإنسان وحينئذ فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بمدلول الأدلة العقلية بل هي أصل العلم بها فإذا بطل الأصل بطل فرعه، يوضحه أنَّ الإنسان في فهمه وإفهامه للدليل العقلي محتاج إلى معرفة مراد المخبر به الذاكر له لمن يخاطبه فإذا لم يحصل له علم بمراده من الدليل فكيف يحصل له علم بالمدلول؟

٥ - أنَّ الله سبحانه هدى البهائم والطير أن يعرِّف بعضُها بعضًا مرادَها بأصواتها، وإذا كان التفاهم والعلم بمراد الحيوان من غيره حاصلًا للحيوانات فما الظنُّ بأشرف أنواعها وهو الإنسان، فما الظنُّ بأشرف هذا النوع وهم العقلاء المعتنون بالبيان والإيضاح، فما الظنُّ بالأنبياء -عليهم السلام- المخصوصين من العلم والبيان والأفهام بما ليس مثله لسواهم، فما الظنُّ بأفضل الأنبياء محمد - صلى الله عليه وسلم - أنصح الخلق للخلق، وأعلمهم وأكملهم بيانًا، وأتمهم فصاحةً، وأقدرهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ولا يوهم غيره، وأحرصهم على تعليم الأُمَّة وتفهيمهم، وأصحابه - رضي الله عنهم - أكمل الأمم عقلًا وفهمًا وفصاحةً وحرصًا على فهم مراده فكيف لا يكونون قد تيقنوا مراده بألفاظه وكيف لا يكون التابعون لهم بإحسان قد تيقنوا مرادهم مما بلَّغوهم إياه عن نبيِّهم ونقلوه إليهم (٢).


(١) الصواعق المرسلة على المعطلة في الرَّدِّ على الجهمية المعطلة ٢/ ٦٤٢.
(٢) المرجع نفسه ٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥.

<<  <   >  >>