للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والتحم القتال، فملك أصحاب عليّ- عليه السّلام- الشّريعة، فأرادوا منع أصحاب معاوية- رضي الله عنه- فأرسل إليهم عليّ- عليه السّلام- وقال خذوا حاجتكم من الماء ولا تمنعوهم منه. ودام على ذلك مدّة حتى كاد عسكر عليّ- عليه السّلام- أن يغلبوا، وظهرت أمارات الفتح، فخاف عمرو بن العاص- رضي الله عنه- من الهلاك، فأشار على معاوية- رضي الله عنه- برفع المصاحف على الرّماح، والدعاء إلى ما فيها من أمر الله عزّ وجلّ. فلما رفعت المصاحف فتر أكثر الناس عن الحرب، وجاءوا إلى أمير المؤمنين- عليه السّلام- وقالوا: يا عليّ أجب إلى كتاب الله- عزّ وجل- فو الله إن لم تفعل لنحملنّك كارها إلى معاوية- رضي الله عنه- أو لنفعلنّ بك كما فعلنا بابن عفّان- رضي الله عنه- فقال لهم عليّ- عليه السّلام- يا قوم إنّها خدعة منهم، وإنّهم ليس فيهم من يعمل بهذه المصاحف. أو لستم على بينة من ربكم، فامضوا لشأنكم وقاتلوا عدوّكم. فلم يفعلوا وغلبوه، فأجاب إلى ترك القتال، ثم أرسل إلى معاوية- رضي الله عنه- رسولا يقول له: ما الّذي تريد برفع هذه المصاحف؟ قال: نحكّم منّا رجلا ومنكم رجلا، ونقسم على الرجلين أن ينصحا الأمّة ويعملا بما في كتاب الله- عزّ وجلّ- وما لم يجداه في كتاب الله حملاه على السّنّة والجماعة، فأيّ شيء حكما به قبلناه. فتراضى الناس جميعا بذلك إلا أمير المؤمنين- عليه السّلام- فإنه رضي كارها مغلوبا. ونفر يسير من بطائنه كالأشتر [١] وابن عبّاس [٢]- رضي الله عنهم- وغيرهما. وانعقد الإجماع على تحكيم رجلين. فأما أهل الشأم: فاتفقوا على أن يكون الحكم من جهتهم عمرو ابن العاص- رضي الله عنه- داهية العرب. وأمّا أهل العراق: فطلبوا أبا موسى


[١] الأشتر: هو مالك بن الحارث النّخعيّ، أمير وقائد شجاع من أنصار علي بن أبي طالب.
توفي/ ٣٧/ هـ.
[٢] ابن عبّاس: هو عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب. ابن عم الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم-، وملازمه كان محدّثا فقيها. شهد مع عليّ موقعتي الجمل وصفّين. توفي/ ٦٨/ هـ.
انظر تفصيل ترجمته في الأعلام للزركلي المجلّد الرابع ص/ ٩٥/.

<<  <   >  >>