للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أحدهما: بالاستعاذة.

والثاني: بأخذ العفو والإعراض عن الجاهلين؛ فإنه إذا أخذ منهم ما سهُلَ عليهم ولم يَشُقَّ، وأعرض عن جاهلهم= اكتفى شرَّهم.

فأرشَدَه إلى ما يدفع عنه شرَّ الجنِّ والإنسِ.

ولما كان الشيطان مُجِدًّا في محاربة العبدِ لا يَفْتُرُ، ويأتيه من حيث لا يدري ولا يراه، فيأخذ حِذْرَه منه إذا حاربه، ولا يمكن دفعُهُ بإحسانٍ إليه= أمرَ بدفعه بالاستعاذة، وهي: اللَّجَأُ إلى مَن ناصيتُه بيده والاعتصام به واللِّياذُ به، ليكفيه شرَّه.

وسمع قارئًا يقرأ: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: ٧٣]، فقال: وصفهم الله سبحانه في هذه الآية بضدِّ حال أهل السماع الشعريِّ، وأنهم إذا ذُكِّروا بآيات ربِّهم لم يَخِرَّ قلوبُهم عليها صُمًّا عن سماعِ حقائقها ومرادِ المتكلِّم منها، عُميانًا عن رؤية معانيها وأسرارها، عكس حالِ أهل السماع الشعريِّ، فإن قلوبهم في غطاءٍ عن حقائقِ هذا السماع، لم تنفتح آذانُ قلوبهم ولا أعينهم لأسرارِه ومقاصدِهِ، ولم يُكامِعْ (١) قلوبَهم مرادُ المتكلم منه، ولم تباشرها روحُه وبهجته، ولم تُخالط معانيه بشاشةَ القلوبِ، فإذا قُرئ عليهم خرَّت


(١) في النسخة: "ولم يكامح" تحريف. والمكامعة: المجامعة. وهو المناسب للسياق والمعنى وكلمةِ "لم تباشرها" الآتية. وأثبت محقق الطبعة الجديدة ما في النسخة، وشرحَه بما لا طائل تحته.